أي الوفاء بعهد من هو محيط بصفات الكمال. ولما كان العهد فضلة في الكلام لكونه مفعولا ، واشتدت العناية به هنا ، بين ذلك بتقديمه أولا ثم يجعله العمدة ، وإسناد الفعل إليه ثانيا فقال : (مَسْؤُلاً) ، أي في أن يوفي به ذلك الذي وقع منه.
(قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠))
ولما أتم سبحانه ما أخبر به رسوله صلىاللهعليهوسلم كما دل عليه التعبير بالنبي ، استأنف أمره بجوابهم جوابا لمن كأنه قال : ما ذا يقال لهم؟ وإجراء للنصيحة على لسانه لما هو مجبول عليه من الشفقة ، (قُلْ) أي لهم ، وأكد لظنهم نفع الفرار : (لَنْ يَنْفَعَكُمُ) أي في تأخير آجالكم في وقت من الأوقات (الْفِرارُ) أي الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه (إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ) أي بغير عدو (أَوِ الْقَتْلِ) لأن الأجل إن كان قد حضر ، لم يتأخر بالفرار وإلا لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله عنه يقول : إذا دهم الأمر ، وتوقد الجمر ، واشتد من الحرب الحر ، أيّ يومي من الموت أفر؟ يوم لا يقدر أو يوم قدر ، وذلك أن أجل الله الذي أجله محيط بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلا (وَإِذاً) أي وإذ فررتم.
ولما كانوا لا يقصدون بالعيش إلا التمتع ، بين ذلك بالبناء للمجهول فقال : (لا تُمَتَّعُونَ) أي تمتعا مبالغا فيه كما تريدون بما بقي من أعماركم إن كان بقي منها شيء (إِلَّا قَلِيلاً) بل يتمكن العدو منكم بأدباركم ، ومن أموالكم وأحسابكم ودياركم ، فيفسد مهما قدر عليه من ذلك فلا تقدرون على تداركه إلا بعد زمان طويل وتعب كبير ، بخلاف ما إذا ثبتم وفاء بالعهد وحفظا للثناء فلاقيتم الأقران ، وقارعتم الفرسان ، اعتمادا على ربكم وطاعة لنبيكم ، فإن كان الأجل قد أتى لم ينقصكم ذلك شيئا ، ومتم أعزة كراما ، وإلا فزتم بالنصر ، وحزتم الأجر ، وعشتم بأتم نعمة إلى تمام العمر ، فالثبات أبقى للمهج ، وأحفظ للعيش البهج.
ولما كانوا لما عندهم من التقيد بالوهم ، والدوران مع الحس دأب البهم ، جديرين
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
