الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧))
ولما كانوا في الدنيا قد جمعت أيديهم إلى أذقانهم بجوامع السطوة ، ثم وصلت بسلاسل القهر يساقون بها عن مقام الظفر بالنجاح إلى أهويات الكفر بالجدال بالباطل ومهامه الضلال المبين كما قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً) [يس : ٨] الآية ، فجعل باطن تلك السلاسل الدنيوية والأغلال ظاهرا في ذلك المجمع قال : (إِذِ) أي حين تكون (الْأَغْلالُ) جمع غل ، قال في ديوان الأدب ، هو الذي يعذب به الإنسان. وقال القزاز : الغل من الحديد معروف ، ويكون من القد ، وقال في النهاية : هو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، ويقال لها جامعة أيضا ـ انتهى. وأصله الإدخال ، يدخل فيه العنق واليد فتجمعان به ، وذلك معنى قول الصغاني في مجمع البحرين : في رقبته غل من حديد ، وقد غلت يده إلى عنقه (فِي أَعْناقِهِمْ) أي جامعة لأيديهم إلى تراقيهم ، وعبر بإذ ومعناها المضي مع سوف ومعناها الاستقبال ، لأن التعبير بالمضي إنما هو إشارة إلى تحقق الأمر مع كونه مستقبلا (وَالسَّلاسِلُ) أي في أعناقهم أيضا يقيدهم ذلك عن كل تصرف لكونهم لم يتقيدوا بكتاب ولا رسول ، والسلسلة من : تسلسل الشيء : اضطرب ، قال الراغب : كأنه تصور منه تسلسل متردد ، فردد لفظه تنبيها على تردد معناه ، وما سلسل متردد في مقره حتى صفا ، حال كونهم (يُسْحَبُونَ) أي بها ، والسحب : الجر بعنف (فِي الْحَمِيمِ) أي الماء الحار الحاضر الذي يكسب الوجوه سوادا ، والأعراض عارا ، والأرواح عذابا والأجسام نارا ، والقلوب هما واللحوم ذوبانا واعتصارا ، وذلك عوض ترفيعهم لأنفسهم عن سحبها بأسباب الأدلة الواضحات في كلف العبادات ومرارات المجاهدات وحرارات المنازلات.
ولما أخبر عن تعذيبهم بالماء الحار الذي من شأنه أن يضيق الأنفاس ، ويضعف القوى ، ويخفف القلوب ، أخبر بما هو فوق ذلك فقال : (ثُمَّ فِي النَّارِ) أي عذابها خاصة (يُسْجَرُونَ) أي يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين مركوبين كما يسجر التنور بالحطب ـ أي يملأ ـ وتهيج ناره ، وكما يسجر ـ أي يصب ـ الماء في الحلق ، فيملؤونها فتحمى بهم ويشتد اضطرامها لكونهم كانوا في الدنيا وقود المعاصي ، والفتن بهم يشب وقودها ، ويقوى عودها ، ويثبت عمودها ، لأنهم لم يلقوا أنفسهم في نيران الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومخالفات الشهوات في أبواب الأوامر والنواهي ، التي هي في الظاهر نيران ، وفي الحقيقة جنان.
ولما كان المدعو إنما يدخر لأوقات الشدائد ، قال موبخا لهم مندما مقبحا لقاصر
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
