شاءَ) يعذبهم بموتهم على النفاق (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك.
ولما كانت توبة المنافقين مستبعدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم ، قال معللا ذلك كله على وجه التأكيد : (إِنَّ اللهَ) أي بما له من الجلال والجمال (كانَ) أزلا وأبدا (غَفُوراً رَحِيماً) يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة ، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة ، وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين ، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم ، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضا ، فهو لا يعذب أحدا فوق ما يستحق.
(وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧))
ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده ، وبين أحوال المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار ، وختم بهاتين الصفتين ، قال مذكرا بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على حالة لا يرضاها لنفسه عاقل ، عاطفا على قوله في أول السورة والقصة (فَأَرْسَلْنا) : (وَرَدَّ اللهُ) أي بما له من صفات الكمال (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة الوحدانية وحقية الرسالة ، وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين ، حال كونهم (بِغَيْظِهِمْ) الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي أوجب لهم التفرق عن غير طائل حال كونهم (لَمْ يَنالُوا خَيْراً) لا من الدين ولا من الدنيا ، بل خذلهم بكل اعتبار.
ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم ، بين أن الأمر ليس كذلك فقال : (وَكَفَى اللهُ) أي العظيم بقوته وعزته عباده ، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل الإخلاص فقال : (الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود كما تقدم.
ولما كان هذا أمرا باهرا ، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال : (وَكانَ اللهُ) أي الذي له كل صفة كمال دائما أزلا وأبدا (قَوِيًّا) لا يعجزه شيء (عَزِيزاً) يغلب كل شيء.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
