الماء بين الأرض والسماء ، فقال تعالى مؤكدا لما تقدم من أنه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه ، ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين والعذاب للمكذبين ، عطفا على تقديره : فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق ، وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم : (وَلَقَدْ نادانا) لما لنا من العظمة (نُوحٌ) بقوله رب (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) [القمر : ١٠] ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من الكروب ، والشدائد والخطوب ، لنكشف عنه ما أعياه من أمرهم.
ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها ، وكان قد تسبب عن دعائه إجابته ، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد يصدق ، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء ، فكانت الإجابة إجابة من يفعل ذلك وإن كانت الأفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء ، لا تحتاج إلى غير مطلق الإرادة : (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا ، هذه صفتنا لا تغير لها.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢))
ولما كان معنى هذا : فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من إيصاله إلى مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي عادتنا دائما ، عطف عليه قوله : (وَنَجَّيْناهُ) أي بما لنا من العظمة (وَأَهْلَهُ) أي الذين وافقوه في الدين (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) وهو الأذى من الغرق (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ) أي خاصة (الْباقِينَ) لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم يبق منهم أحد أصلا ، وأهل السفينة لم يعقب منم أحد غير أولاده ، فأثبناه على نزاهته إن كان هو الأب الثاني ، فالعرب والعجم أولاد سام ، والسودان أولاد حام ، والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج أولاد يافث ، فكل من تبع سنته في الخير كان له مثل أجره.
ولما ذكر أنه بارك في نسله ، أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله فقال : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ) أي ثناء حسنا ، لكنه حذف المفعول وجعله لازما ، فصار المعنى : أوقعنا عليه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
