أوقع في قلوبهم وأشد إقبالا بنفوسهم قال تعالى : (قُلْ) أي لأمتك ، وأكد ـ لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف ـ قوله : (إِنِّي أَخافُ) أي مع تأمينه لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصا في إجلاله وإعظامه وفعلا لما على العبد لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة ، ولما كان وصف الإحسان ربما جرا على العصيان ، بين أنه لا يكون ذلك إلا لعادم العرفان فقال : (إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) أي المحسن إليّ المربي لي بكل جميل فتركت الإخلاص له (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وإذا كان اليوم عظيما ، فكيف يكون عذابه.
(قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩))
ولما بين ما أمر به ، وأعلم أنه يخاف من مخالفة الأمر له بذلك فأفهم أنه ممتثل لما أمر به ، أمره سبحانه بأن يصرح بذلك لأن للتصريح من المزية ما لا يخفى فقال : (قُلِ اللهَ) أي المحيط بصفات الكمال وحده (أَعْبُدُ) تخصيصا له بذلك ، لا أنحو أصلا بالعبادة نحو غيره أبدا (مُخْلِصاً لَهُ) وحده (دِينِي) أي امتثالا لما أمرت به فلا أشينه بشائبة أصلا لا طلبا لجنّة ولا خوفا من نار فإنه قد غفر لي ما تقدم وما تأخر ، فصارت عبادتي لأجل وجهه وكونه مستحقا للعبادة خاصة شوقا إليه وحبا له وحياء منه ، وأما الرغبة فيما عنده سبحانه والخوف من سطواته التي جماعها قطع الإحسان الذي هو عند الأغبياء أدنى ما يخاف فإنما خوفي لأجل إعطاء المقام حقه من ذل العبودية وعز الربوبية.
ولما علم من هذا غاية الامتثال بغاية الرغبة والرهبة وهم يعلمون أنه صلىاللهعليهوسلم أقواهم قلبا وأصفاهم لبا ، وأجرأهم نفسا وأصدقهم إقداما وأشجعهم عشيرة وحزبا ، كان خوف غيره من باب الأولى ، فسبب عنه تهديدهم أعظم تهديد بقوله : (فَاعْبُدُوا) أي أنتم أيها الداعون له في وقت الضراء المعرضون عنه في وقت الرخاء (ما شِئْتُمْ) أي من جماد أو غيره. ونبّه على سفول رتبة كل شيء بالنسبة إليه سبحانه تسفيها لمن يلتفت إلى سواه بقوله : (مِنْ دُونِهِ) فإن عبادة ما دونه تؤدي إلى قطع إحسانه ، ولا إحسان إلا إحسانه ، فإذا انقطع حصل كل سوء ، وفي ذلك جميع الخسارة.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
