بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة سبأ مكية ـ آياتها أربع وخمسون
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢))
مقصودها أن الدار الآخرة ـ التي أشار إليها آخر تلك بالعذاب والمغفرة بعد أن أعلم أن الناس يسألون عنها ـ كائنة لا ريب فيها ، لما في ذلك من الحكمة ، وله عليه من القدرة ، وفي تركها من عدم الحكمة والتصوير بصورة الظلم ، ولقصة سبأ التي سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد كما يأتي بيانه ولذلك سميت بها (بِسْمِ اللهِ) الذي من شمول قدرته إقامة الحساب (الرَّحْمنِ) الذي من عموم رحمته ترتيب الثواب والعقاب (الرَّحِيمِ) الذي يمن على أهل كرامته بطاعته حتى لا عقاب يلحقهم ولا عتاب.
لما ختمت سورة الأحزاب بأنه سبحانه عرض أداء الأمانة وحملها ـ وهي جميع ما في الوجود من المنافع ـ على السماوات والأرض والجبال ، فأشفقن منها وحملها الإنسان الذي هو الإنس والجان ، وأن نتيجة العرض والأداء والحمل العذاب والثواب ، فعلم أن الكل ملكه وفي ملكه ، خائفون من عظمته مشفقون من قهر سطوته وقاهر جبروته ، وأنه المالك التام الملك والملك المطاع المتصرف في كل شيء من غير دفاع ، وختم ذلك بصفتي المغفرة والرحمة ، دل على ذلك كله بأن ابتدأ هذه بقوله : (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال من الخلق والأمر كله مطلقا في الأولى الأخرى وغيرهما مما يمكن أن يكون ويحيط به علمه سبحانه (لِلَّهِ) ذي الجلال والجمال.
ولما كان هذا هو المراد ، وصفه بما يفيد ذلك ، فقال منبها على نعمة الإبداء والإبقاء أولا : (الَّذِي لَهُ) أي وحده ملكا وملكا وإن نسبتم إلى غيره ملكا وملكا ظاهريا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
