الأشياء الصعبة جدا لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء لنفسه ، ثم سبب عن ذلك قوله : (فَمِنْها رَكُوبُهُمْ) أي ما يركبون ، وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ، ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار ، وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت دائم فقال : (وَمِنْها يَأْكُلُونَ).
ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار ، وكانت منافعها من غير ذلك كثيرة ، قال : (وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ) أي بالأصواف والأوبار والأشعار والجلود والبيع وغير ذلك ، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه ، فقال جامعا له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، وكأنه عبر بمنتهى الجموع لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل (وَمَشارِبُ) أي من الألبان ، أخرجناها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة ، وكل ذلك لا سبب له إلا أن كلمتنا حقت به ، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا ، فليحذر من هو أضعف حالا منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه.
ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان ، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته ، سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله : (أَفَلا يَشْكُرُونَ) أي يوقعون الشكر ، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر.
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦))
ولما ذكرهم نعمه ، وحذرهم نقمه ، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم ، فقال موبخا ومقرعا ومبكتا ومعجبا من زيادة ضلالهم عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه : (وَاتَّخَذُوا) أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا ، أو يكون معطوفا على (كانُوا) من قوله : (إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) فيكون التقدير : إلا كانوا يجددون الاستهزاء ، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقلبوا فيه من نعمتنا : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الذي له جميع العظمة ، فكل شيء دونه ، وما كان دونه كان مقهورا مربوبا (آلِهَةً) أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية. ولما تقرر أنها غير صالحة لما أهلوها له ، تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك ، فقال جوابا له تعجيبا من حالهم : (لَعَلَّهُمْ) أي العابدين. ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان ، بني للمفعول قوله : (يُنْصَرُونَ) أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
