ولما كان التصرف فيها غير منضبط ، أجمله بقوله : (وَلَكُمْ فِيها) أي كلها (مَنافِعُ) أي كثيرة بغير ذلك من الدر والوبر والصوف وغيرها. ولما كان سوقها وبلوغ الأماكن الشاسعة عليها في أقرب مدة لنيل الأمور الهائلة عظيم الجدوى جدا ، نبه على عظمته بقطعه عما قبله بإجمال المنافع ثم تفصيله منها فقال : (وَلِتَبْلُغُوا) أي مستعلين (عَلَيْها) وهي في غاية الذل والطواعية ، ونبههم على نقصهم وعظيم نعمته عليهم بقوله : (حاجَةً) أي جنس الحاجة. ولما كان في مقام التعظيم لنعمه لأنه من سياق الامتنان وإظهار القدرة وحدها وجمع ما تضمر فيه فقال : (فِي صُدُورِكُمْ) إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت مساكنها. ولما كان الحمل يكون مع مطلق الاستعلاء سواء كان على أعلى الشيء أولا بخلاف الركوب ، قال معبرا بأداة الاستعلاء فيها وفي الفلك غير سفينة نوح عليه الصلاة والسّلام ، فإنها كانت مغطاة كما حكي فكانوا في بطنها لا على ظهرها : (وَعَلَيْها) أي في البر (وَعَلَى الْفُلْكِ) أي في البحر (تُحْمَلُونَ) أي تحمل لكم أمتعتكم فإن حمل الإنسان نفسه تقدم بالركوب. وأشار بالبناء للمفعول إلى أنه سخر ذلك تسخيرا عظيما لا يحتاج معه إلى علاج في نفس الحمل.
(وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤))
ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها سبحانه مشتملة على آيات كثيرة ، عبر فيها بالماضي وعطف بالمضارع تنبيها على التجدد على ما تقديره : فأراكم هذه الآيات البينات منها ، قوله : (وَيُرِيكُمْ) أي في لحظة (آياتِهِ) أي الكثيرة الكبيرة فيها وفي غيرها من أنفسكم ومن الآفاق ، ودل على كثرة الآيات وعظمتها بإسقاط تاء التأنيث كما هو المستفيض في غير النداء بإظهار الاسم الأعظم في قوله : (فَأَيَّ آياتِ اللهِ) أي المحيط بصفات الكمال (تُنْكِرُونَ) حتى تتوجه لكم المجادلة في آياته التي من أوضحها البعث.
ولما وصل الأمر إلى حد من الوضوح لا يخفى على أحد ، تسبب عنه لفت الخطاب عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهب فقال : (أَفَلَمْ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
