واستمروا في عزة وشقاق وهم يضربون تارة بالطوفان وتارة بالجراد وتارة بالقمل ، وأخرى بالضفادع وبغير ذلك ، إلى أن رأوا آية البحر التي هي الغاية ولم يردهم شيء من ذلك عن شقاقهم إلى أن غرقوا على كفرهم عن بكرة أبيهم كما صرحت به هذه الآية.
(وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨))
ولما كانت ثمود أضخم الناس بعدهم بما لهم من إتقان الأبنية في الجبال والسهول والتوسع بعمارة الحدائق وإنباط العيون وغير ذلك من الأمور ، مع مناسبتهم لهم في رؤية الآيات المحسوسة الظاهرة العظيمة أتبعهم بهم فقال : (وَثَمُودُ) واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ثم حمرتها ثم سوادها ، ولم يكن لهم في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم.
ولما كان الحامل لثمود على المعصية الموجبة العذاب النساء لأن عاقر الناقة ما اجترأ على عقرها إلا لامرأة منهم جعلت له على عقرها زواجها ، وكان الموجب لعذاب قوم لوط إتيان الذكور ، فالجامع بينهم شهوة الفرج مع الطباق بالذكور والإناث ، ومع أن عذاب ثمود برجف ديارهم ، وعذاب قوم لوط بقلع مدائنهم وحملها ثم قلبها ، أتبعهم بهم فقال معبرا بما يدل على قوتهم مضيفا لهم إلى نبيهم عليهالسلام لأنهم عدة مداين ليس لهم اسم جامع كقوم نوح عليهالسلام : (وَقَوْمُ لُوطٍ) أي الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في عزتهم وشقاقهم حتى ضربوا بالعشا وطمس الأعين ، ولم يقدروا على الوصول إلى ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط عليهالسلام ولا التمكن مما أرادوا ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم ، بل توعدوه بطلوع النهار.
ولما ذكر أهل المدر ، أتبعهم طائفة من أهل الوبر يقاربونهم في الاستعصاء بالشجر ، مع أن عذابهم بظلة النار كما كان لقوم لوط عليهالسلام حجارة من نار فقال : (وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ) ثم عظم أمرهم تهوينا لأمر قريش وردعا لهم بالحث على استحضار عذابهم فقال : (أُولئِكَ) أي العظماء في التجند والاجتماع على من يناوونه (الْأَحْزابُ) أي الذين أقصى رتب هؤلاء في المخالفة أن يكونوا مثل حزب منهم.
ولما كان في معرض المعارضة لتألبهم وشقاقهم ، وتجمعهم على المناواة باطلا واتفاقهم ، ولما كانوا لما عندهم من العناد وحمية الجاهلية ربما أنكروا أن يكون هلاك هؤلاء الأحزاب لأجل التكذيب ، وقالوا : هو عادة الدهر في الإهلاك والتخالف في
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
