عليه قوله صارفا الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم تأبى له عظمته غير الجد العظيم : (وَما خَلَقْنَا) أي على ما لنا من العظمة ، ويجوز أن تكون الجملة حالية. ولما كان السياق لما وقع منهم من الشقاق عنادا لا جهلا ، ذكر من السماوات ما لا يمكن النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال : (السَّماءَ) أي التي ترونها (وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما) مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا (باطِلاً) أي لغير غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء ، ومجازاة من فيهما بالثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى الناس عقلا لا يبني بناء ضخما إلا لغاية أرادها ، وتلك الغاية هي الفصل بين الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار ، وبثثنا بينهم الأسباب الموجبة لانتشار الصفاء فيهم والأكدار ، وأعطيناهم العقول تنبيها على ما يراد بهم ، وأرسلنا فيهم الرسل ، وأنزلنا إليهم الكتب ، بالتعريف بما يرضينا ويسخطنا ، فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا الخلق كله باطلا لا حكمة فيه أصلا ، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد منهما ، والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم ، والثالث باطل لأنه كان في حال العدم كذلك ، فلم يبق للإيجاد مرجح ، فتعين الوسط وهو النفع ، وهو لا يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها ، وتحمل ضر كثير لنفع قليل غير لائق بالحكيم الكريم ، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء.
ولما كان هذا ـ وهو منابذة الحكمة ـ عظيما جدا ، عظمه بقوله : (ذلِكَ) أي الأمر البعيد عن الصواب (ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي من أوقع هذا الظن في وقت ما ، فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال والمجازاة بالثواب والعقاب ، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق ، فكان إقراره بأنه خالق كلا إقرار فكان كافرا به ، ثم سبب عن هذا الظن قوله : (فَوَيْلٌ) أي هلاك عظيم بسبب هذا الظن ، وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي مطلقا بهذا الظن وبغيره (مِنَ) أي مبتدأ من (النَّارِ) أي الحكم عليهم بها.
ولما كان التقدير : أفنحن نخلق ذلك باطلا؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه حكمته ونحن منزهون عن العبث ، عطف عليه قوله إنكارا لما يلزم من ترك البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه ، وذلك أشد من العبث وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء : (أَمْ نَجْعَلُ) أي على عظمتنا (الَّذِينَ آمَنُوا) أي امتثالا لأوامرنا (وَعَمِلُوا) أي تصديقا لدعواهم الإيمان (الصَّالِحاتِ) من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
