ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق ، وأذلت أهل الشرك من الأميين وغيرهم على الإطلاق ، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق ، وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان للرؤوس والأعناق ، حتى قال النبي صلىاللهعليهوسلم وهو أبصر الناس بالحروب ، وأنفذهم رأيا لما له من الثبات عند اشتداد الكروب : «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (١) ، قال تعالى : (وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها) أي تغلبوا عليها بتهيئتكم للغلبة عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها ، وهي أرض خيبر أولا ، ثم أرض مكة ثانيا ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله بعد ذلك ، وكان قد حكم به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلىاللهعليهوسلم في حفر الخندق ، فأراه في الأولى اليمن ، وفي الأخرى فارس ، وفي الأخرى الروم.
ولما كان ذلك أمرا باهرا ، سهله بقوله : (وَكانَ اللهُ) أي أزلا وأبدا بما له من صفات الكمال (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) هذا وغيره (قَدِيراً) أي شامل القدرة.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١))
ولما تقرر بهذه الوقائع ـ التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنة سببها ، وأمور خفية رتبها ، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة ، والملوك المتجبرة المستكبرة ـ ما قدم من أنه كافي من توكل عليه ، وأقبل بكليته إليه ، وختم بصفة القدرة العامة الدائمة ، تحرر أنه قادر على كل ما يريده ، وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض ، وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ولا أن يرمق بوجه ما سواه ، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه والفضل لصاحب الدين عليه ، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه ، ولا ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض ، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل ، وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراما له ورفعا لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما عنده ، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش واضمحلال ، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال ، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق إليه ، وأعزهم منزلة
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤١٠٩ و ٤١١٠ وأحمد ٤ / ٢٦٢ من حديث سليمان بن صرد.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
