في قوله : (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع ، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم ، واستركاك عقولهم ، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلا عن أن يتخذ معتقدا ، ويتظاهر به مذهبا.
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤))
ولما تم إظهار ضلالهم ، بكتهم في أسلوب آخر معرضا عن خطابهم تخويفا من إحلال عذابهم فقال : (وَجَعَلُوا) أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ) أي الجن الذين هم شر الطوائف ، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له (نَسَباً) بأن قالوا : إنه ـ جلت سبحات وجهه وعظم تعالى جده ـ تزوج بنات سروات الجن ، فأولد منهم الملائكة ، ومن المعلوم أن أحدا لا يتزوج إلا من يجانسه ، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له. ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثا لضميرهم زيادة في تحقيرهم : (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أي مطلقا السروات منهم والأسافل (إِنَّهُمْ) أي الجن كلهم (لَمُحْضَرُونَ) أي إليه بالبعث كرها ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء ، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء ، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك.
ولما ذكر ذلك اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات ، وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات ، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات ، وكان ذكره على وجه مبين بعد الجن عن المناسبة ، كان مجزأ للتنزيه وموضعا بعد تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك ، فقال مصرحا باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه ، والجلالة إشارة إلى عظم المقام : (سُبْحانَ اللهِ) أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزها يفوت الحصر (عَمَّا يَصِفُونَ) أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم ، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من الولد (إِلَّا عِبادَ اللهِ) أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم ، ولذلك أظهر ولم يضمر ، لأن الضمير يعود على عين الماضي ، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح (الْمُخْلَصِينَ) من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
