الله : «لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر ، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (١)» فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين جاء تقصيره ، فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة ، وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار ، ولو لا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى ، ولا إلى هذه الكمالات البديعية ، ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سبق إليه ماء وشمس لاستخراج ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية.
ولما ذكر عدله ، أتبعه فضله فقال : (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) ولو لا عفوه وتجاوزه لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير واصل من الله لهم ، وقيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال : لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم ـ وقرأ هذه الآية.
(وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥))
ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال : (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) لو أريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه منكم كائنا ما كان. ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات أجدر بالقدرة على ما دونه ، أشار إلى ذلك بقوله : (فِي الْأَرْضِ) ولما كان الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت ، ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل إلى السماء ، لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت. ولما نفى امتناعهم بأنفسهم ، وكان له سبحانه من العلو ما تقصر
__________________
(١) أخرجه ابن ماجة ٩٠ و ٤٠٢٢ وابن حبان ٨٧٢ والحاكم ١ / ٤٩٣ والطحاوي في المشكل ٤ / ١٦٩ والطبراني في الكبير ١٤٤٢ والقضاعي ٨٣١ وأحمد ٥ / ٢٧٧ و ٢٨٠ من حديث ثوبان وفي إسناده ابن أبي الجعد قال الذهبي في الميزان ٢ / ٤٠٠ : وإن كان وثق ففيه جهالة. ـ وله شاهد عند الترمذي ٢١٣٩ والطحاوي ٤ / ١٦٩ والقضاعي ٨٣٢ و ٨٣٣ من حديث سلمان وفي إسناده فضة قال الذهبي : ضعفه أبو حاتم يسيرا. ـ وله شاهد آخر عند الترمذي ٣٥٤٨ من حديث ابن عمر وفيه : عبد الرحمن ابن أبي بكر ، وهو ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
