السياق ، ومهما أوهم شيء من ذلك نقصا فرده المستبصر إلى المحكم بضرب من التأويل على ما يقتضيه الشائع من استعمالات العرب رجع رجوعا بينا متقنا بحيث يصير في غاية الجلاء.
(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣))
ولما كان الوحي روحا مدبرا للروح كما أن الروح مدبر للبدن ، صرح به فقال : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ما أخبرناك بالكيفيات التي نوحيها إلى عبادنا (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) صارفا القول إلى مظهر العظمة تعظيما لما أوحى إليه وأفاض من نعمه عليه على جميع تلك الأقسام ، فالتفت في الروع مذكورا غير منكور ، والسماع من دون الحجاب أصلا منقول في الأخبار عن ليلة المعراج ومعقول في السماع من وراء الحجاب أيضا ذكر فيها في قوله : «أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» (١) والوحي بواسطة الملك كثير جدا ، وأعظم الوحي وشرفه بقوله منكرا له تعظيما لما عنده من الروح الأمري بإفادة أن هذا الكتاب الذي أبكم الفصحاء وأعجز البلغاء وحير الألباب من الحكماء شعبة منه وذرة بارزة عنه ، ويمكن أن يكون تنكير تعظيم وإجلال وتكريم (رُوحاً) أي من خالطه صار قلبه حيا ومن عري عنه كان قلبه ميتا. وزاد عظمه بقوله : (مِنْ أَمْرِنا) أي بجعله من قسم الأمر وإظهاره في مظهر العظمة فيا له من علو يتضاءل دونه كل شامخ ويتحاقر إكبارا له كل مادح ، والمراد بهذا رد ما تقدم من نسبتهم له صلىاللهعليهوسلم إلى الافتراء لأنه تعالى لم يختم على قلبه بل فتحه بيد القدرة وأحياه بروح الوحي فأنطقه بالحكم التي خضعت لها الحكماء ، وأقرت بالعجز عن إدانتها ألباب العلماء ، ودل على ذلك بقوله ، نافيا مبينا حاله صلىاللهعليهوسلم قبل هذا الوحي : (ما كُنْتَ) أي فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك مساويا لهم في كونك لا تعلم شيئا ولا تتفوه بشيء من ذلك وهو معنى (تَدْرِي) وعبر بأداة الاستفهام إشارة إلى أن ما بعدها مما يجب الاهتمام به والسؤال عنه ، وعلق بجملة الاستفهام الدراية عن العمل وسدت مسد مفعولي الدراية (مَا الْكِتابُ) أي ما كان في جبلتك أن تعلم ذلك بأدنى أنواع العلم بمجادلة ولا غيرها (وَلَا الْإِيمانُ) أي بتفصيل الشرائع على ما حددناه لك بما أوحيناه إليك ، وهو صلىاللهعليهوسلم وإن كان قبل النبوة مقرا بوحدانية الله تعالى وعظمته لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه ،
__________________
(١) تقدم من سورة الإسراء وانظر صحيح البخاري عند آخر الحديث رقم ٣٨٨٧ عن مالك بن صعصعة.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
