الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١))
ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) المتضمن لتكذيبهم ، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيرا إلى أن سبب تكذيب الكفرة الجهل الذي سببه الكبر ، عجب منهم تعجيبا آخر أشد من الأول لتصريحهم بالتكذيب على وجه عجيب فقال : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي الذين تحققوا أمره صلىاللهعليهوسلم وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد ، لمن يرد عليهم ممن لا يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين : (هَلْ نَدُلُّكُمْ) أي أيها المعتقدون أن لا حشر. ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه أشهر الأسماء ، بل قالوا : (عَلى رَجُلٍ) أي ليس هو صبيا ولا امرأة حتى تعذروه (يُنَبِّئُكُمْ) أي يخبركم متى شئتم إخبارا لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نعقله مجددا لذلك متى شاء المستخبر له.
ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث ، قدموا المعمول فقالوا : (إِذا) أي إنكم إذا (مُزِّقْتُمْ) أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل ما من شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقا عظيما ، بحيث صرتم ترابا ، وذلك معنى (كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي كل تمزيق ، فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء ، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض ، وذهبت به السيول كل مذهب ، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعدا بعضه عن بعض ، وكسر معمول «ينبئكم» لأجل اللام فقال : (إِنَّكُمْ لَفِي) أي لتقومون كما كنتم قبل الموت قياما لا شك فيه ، والإخبار به مستحق لغاية التأكيد (خَلْقٍ جَدِيدٍ) وهذا عامل إذا الظرفية.
ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له عليه ، خيلوا بتقسيم القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيبا والإنكار ، فقالوا جوابا لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل ، لعدم الإلباس هنا بخلاف ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر : (أَفْتَرى) أي تعمد (عَلَى اللهِ) أي الذي لا أعظم منه (كَذِباً) بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل يصح منه القصد. ولما كان يلزم من التعمد العقل ، قالوا : (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) أي جنون ، فهو يقول الكذب ، وهو ما لا حقيقة له من غير تعمد ، لأنه ليس من أهل القصد ، فالآية من الاحتباك : ذكر الافتراء أولا يدل على ضده ثانيا ، وذكر الجنون ثانيا يدل على ذكر ضده أولا.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
