ذكر إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة أعضائهم بأعمالهم ، ثم تناسجت الآي جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة ـ انتهى.
ولما كان كأنه قيل : ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جوابا لمن سأل : هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو (تَنْزِيلَ) أو حال كونه تنزيل (الْعَزِيزِ) أي المتصف بجميع صفات الكمال. ولما كانت هذه الصفة للقهر والغلبة ، وكان ذلك لا يكون صفة كمال إلا بالرحمة قال : (الرَّحِيمِ) أي الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم بما يقيمهم على المنهاج الذي يرضاه لهم ، فهو الواحد الذي لا مثل له أصلا لما قهر به من عزته ، وجبر به من رحمته. نزله إليك وهو في جلالة النظم وجزالة القول وحلاوة السبك وقوة التركيب ورصانة الوضع وحكيم المعاني وإحكام المباني في أعلى ذرى الإعجاز ، وجعل إنزاله تدريجا بحسب المصالح مطابقا مطابقة أعجزت الخلائق عن أن يأتوا بمثلها ، ثم نظمه على غير ترتيب النزول نظما أعجز الخلق عن أن يدركوا جميع المراد من بحور معانيه وحكيم مبانيه ، فكله إعجاز على ما له من إطناب وإيجاز.
ولما ذكر المرسل والمرسل به والمرسل ؛ ذكر المرسل له فقال : (لِتُنْذِرَ قَوْماً) أي ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة (ما أُنْذِرَ) أي لم ينذر أصلا (آباؤُهُمْ) أي الذين غيروا دين أعظم آبائهم إبراهيم عليهالسلام ومن أتى بعدهم عند فترة الرسل. ولما كان عدم الإنذار موجبا لاستيلاء الحظوظ والشهوات على العقل فيحصل عن ذلك الغفلة عن طريق النجاة قال : (فَهُمْ) أي بسبب زمان الفترة (غافِلُونَ) أو المعنى على أن «ما» مفعول ثان لتنذر : أي لتنذرهم الذي أنذره آباؤهم الذين كانوا قبل التغيير ، فإن هؤلاء غافلون عن ذلك لطول الزمان وحدوث النسيان.
(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١))
ولما كان تطاول الإقامة على شيء موجبا للإلف له ، والإلف قتال لما يوجب من الإصرار على المألوف لمحبته «وحبك للشيء يعمي ويصم» قال جوابا لمن يتوقع الجواب عما أثمرته حالهم : (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) أي الكامل في بابه وهو إيجاب العذاب
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
