واحد ، دل بضمير الجمع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين فقال : (وَلا يُنْقِذُونِ) أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة بما أراده فإنه بمجرد إرادته يكون مراده ، إنفاذا ضعيفا ـ بما أشار إليه من حذف الياء ، ولا شديدا ـ بما دل عليه من أثبتها ظاهرا خفيا ، ثم استأنف ما يبين بعد ذلك عن فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكدا له بأنواع التأكيد لأجل إنكارهم له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم : (إِنِّي إِذاً) أي إذا فعلت ذلك الاتخاذ (لَفِي ضَلالٍ) أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء (مُبِينٍ) أي واضح في نفسه لمن لم يكن مظروفا له ، موضح لكل ناظر ما هو فيه من الظلام.
(إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩))
ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه علة ، صرح بما لوح إليه من إيمانه ، فقال مظهرا لسروره بالتأكيد وقاطعا لما يظنونه من أنه لا يجترىء على مقاطعتهم كلهم بمخالفتهم في أصل الدين : (إِنِّي آمَنْتُ) أي أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره بالرسل مؤمنا لهم من أن أدخل عليهم نوع تشويش من تكذيب أو غيره. ولما أرشدهم بعموم الرحمانية تلويحا ، صرح لهم بما يلزمهم شكره من خصوص الربوبية فقال : (بِرَبِّكُمْ) أي بسبب الذي لا إحسان عندكم إلا منه قد نسيتم ما له لديكم من الربوبية والرحمانية والإبداع ، وزاد في مصارحتهم إظهارا لعدم المبالاة بهم بقوله : (فَاسْمَعُونِ) أي سماعا إن شئتم أشعتموه ، وإن شئتم كتمتموه ـ بما دل عليه حذف الياء وإثباتها ، فلا تقولوا بعد ذلك : ما سمعناه ، ولو سمعناه لفعلنا به. فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه ، وقد أخبر النبي صلىاللهعليهوسلم أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث بادى قومه الإسلام ، ونادى على عليته بالأذان ، فرموه بالسهام فقتلوه (١).
ولما كان من المعلوم ـ بما دل عليه من صلابتهم في تكذيبهم الرسل وتهديدهم مع ما لهم من الآيات ـ أنهم لا يبقون هذا الذي هو من مدينتهم وقد صارحهم بما إن أغضوا عنه فيه انتقض عليهم أكثر أمرهم ، لم يذكره تعالى عدّا له عداد ما لا يحتاج إلى ذكره ، وقال جوابا لمن تشوف إلى علم حاله بعد ذلك بقوله إيجازا في البيان ترغيبا
__________________
(١) ذكره ابن حجر في الإصابة ٢ / ٤٧٧ / ٥٥٢٦ في ترجمة عروة بن مسعود وقال : رواه ابن إسحاق.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
