إلى الجور (مِنْها) أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب : (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد.
ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير ، بين أنه دائم بقوله ، مؤكدا إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر : (وَإِنَّ عَلَيْكَ) أي خاصة. ولما كان السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر فقال : (لَعْنَتِي) أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك دائما قاهرا لك لا تقدر على الانفكاك عنه بوجه ، وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنه ما دام حيا إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء بذلك ، ثم غيى هذا اللعن بقوله : (إِلى يَوْمِ الدِّينِ) أي فإذا جاء ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته ، وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم ، ولم يبق علم ذلك خاصا بإبليس ، بل يقع العلم بجميع أهل اللعنة ، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن.
ولما كان ذلك ، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة ، بل أدركه الخذلان بالتمادي في الطغيان ، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في الضلال ضد ما أنعم به على آدم عليهالسلام ، فقال ذاكرا صفة الإحسان والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة مغباة بيوم الدين : (قالَ رَبِ) أي أيها المحسن إليّ بإيجادي وجعلي في عداد الملائكة الكرام (فَأَنْظِرْنِي) أي بسبب ما عذبتني به من الطرد (إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق : (قالَ) مؤكدا لأن مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور : (فَإِنَّكَ) أي بسبب هذا السؤال (مِنَ الْمُنْظَرِينَ) وهذا يدل على أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضا.
(إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨))
ولما دبج في عبارته بما يقتضي السؤال في أن لا يموت ، فإن يوم البعث ظرف لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها لا لقبضها ، منعه ذلك بقوله : (إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ) ولما
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
