بالدقائق وأعلمهم ، ولذلك جعل هذا النبي الأمي منهم ، فملأت معارفه الأكوان ، وسمت في رتب المعاني صاعدة فأين منها كيوان.
ولما كان الشعر مع ما بني عليه من التكلف الذي هو بعيد جدا عن سجايا الأنبياء فكيف بأشرفهم مما يكتسب به مدحا وهجوا ، فيكون أكثره كذبا ـ إلى غير ذلك من معايبه ، قال سبحانه وتعالى : (وَما يَنْبَغِي لَهُ) أي وما يصح ولا ينطلب ولا يتأتى أصلا ، لأن منصبه أجل ، وهمته أعلى من أن يكون مداحا أو عيابا ، أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى ، وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة.
ولما تمت الدلالة على أمر الرسول صلىاللهعليهوسلم ، وتضمنت أن الشعر ـ وهو تعمد صوغ الكلام على وزن معلوم وقافية ملتزمة ـ نقيصة لما ذكر ولما يلزمه التقيد بالوزن والروي والقافية من التقديم والتأخير والتحويم على المعاني من غير إفصاح ولا تبيين فيصير عسر الفهم مستعصي البيان ، ونفى عنه صلىاللهعليهوسلم تلك النقيصة ، فتضمن ذلك تنزيه ما أنزل عليه عنها ـ كما أشارت إليه نون العظمة في «علمنا» ـ أثبت له ما ينبغي له فقال كالتعليل لما قبله : (إِنْ) أي ما (هُوَ) أي هذا الذي أتاكم به (إِلَّا ذِكْرٌ) أي شرف وموعظة (وَقُرْآنٌ) أي جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات ، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين مع الفصل بين الملبسات (مُبِينٌ) أي ظاهر في ذلك مظهر لكل ما فيه لمن يرومه حق رومه ، ويسومه بأغلى سومه ، بعد أن يشترط في مطلق فهمه ومجرد اللذة به الذكي والغبي والحديد والبليد ، وليس هو بشعر متكلف يتقدم فيه ـ بحكم التزام الوزن والروي والقافية ـ الشيء عن حاق موضعه تارة ويتأخر أخرى ، ويبدل بما لا يساويه فتنقص معانيه وتنعقد فتشكل فلا يفهمه إلا ذاك وذاك مع أنه من همزات الشياطين فيا بعد ما بينهما ، ويبين هذا المعنى غاية البيان آخر «ص» (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) أي كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جدا إنما هو ذكر للأذكياء جدا.
(لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣))
ولما ذكر أمر الرسول صلىاللهعليهوسلم فيما آتاه من غرائز الشرف في سن النكس لغيره ، ذكر علة ذلك فقال : (لِيُنْذِرَ) أي الرسول صلىاللهعليهوسلم بدليل ما دل عليه السياق من التقدير ، ويؤيده لفت الكلام في قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلىاللهعليهوسلم.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
