يسخطه وإن طال الزمان ، امتثالا لما أمر به أول السورة في قوله (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود ، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد (تَتَنَزَّلُ) على سبيل التدريج المتصل (عَلَيْهِمُ) من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا (الْمَلائِكَةُ) بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها ، وتشرق مرائيهم ، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال : (أَلَّا تَخافُوا) أي من شيء مثله يخيف ، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم (وَلا تَحْزَنُوا) أي على شيء فاتكم ، فإن ما حصل لكم أفضل منه ، فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها روح وراحة ، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه (وَأَبْشِرُوا) أي املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد (بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ) أي كونا عظيما على ألسنة الرسل (تُوعَدُونَ) أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل ، وقال الرازي في اللوامع : يبشرون في ثلاثة مواضع : عند الموت ، وفي القبر ، ويوم البعث ـ انتهى. وهذا محمول على الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم يفعلون معه ما ترجمته ذلك.
(نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣))
ولما أثبتوا لهم الخير ، ونفوا عنهم الضير ، عللوه بقولهم : (نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ) أي أقرب الأقرباء إليكم ، فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه النفوس وإن تراءى للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك ، فنوقظكم من المنام ، ونحملكم على الصلاة والصيام ، ونبعدكم عن الآثام ، ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم (وَفِي الْآخِرَةِ) كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا الأتقياء (وَلَكُمْ فِيها) أي الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات الحشر (ما تَشْتَهِي) ولو على أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول (أَنْفُسُكُمْ) لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا (وَلَكُمْ).
ولما كان السياق للذين استقاموا العام للسابقين وأصحاب اليمين على ما أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها ، قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال : (فِيها) أي
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
