الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦))
ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال ، فثبت بذلك علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم ، وكان الرب الرحيم العليم لا تكمل ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها ، ثبت البعث الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل ، فكانت نتيجة ذلك : فالله يأتي بالساعة لما ثبت من برهانها كما ترون ، فعطف عليه قوله : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة : (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) والإخبار عنها باطل.
ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه ، أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكدا بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال : (قُلْ بَلى وَرَبِّي) أي المحسن إليّ بما عمني به معكم من النعم ، وبما خصني به من تنبئتي وإرسالي إليكم ـ إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه ، فهو أكرم من أن يدعكم من غير أن يحشركم لينتقم لي منكم ، ويقر عيني بما يجازيكم به من أذاكم لي ولمن اتبعني ، فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي بعض عصاة عبيده على بعض ، ويدعهم سدى من غير تأديب ، فكيف إذا كان المبغي عليه مطيعا له ، والباغي عاصيا عليه ، هذا ما لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم فكيف بأحكم الحاكمين؟ (لَتَأْتِيَنَّكُمْ) أي الساعة لتظهر فيها ظهورا تاما الحكمة بالعدل والفضل ، وغير ذلك من عجائب الحكم والفصل.
ولما كان الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا عن علمه ، ولا يهمل شيئا من أحوالهم إلا إذا غاب عنه ذلك الشيء ، وكانت الساعة من عالم الغيب ، وكان ما تقدم من إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم الشهادة ، وصف ذاته الأقدس سبحانه بما بين أنه لا فرق عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة ، بل الكل عنده شهادة ، وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر ، فقال مبينا عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة الاستشهاد على الأمر ، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة كان في الشهادة أقوى وآكد ، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ ، واصفا له على قراءة الجماعة ومستأنفا ـ وهو أبلغ ـ على قراءة المدنيين وابن عامر ورويس عن يعقوب بالرفع : (عالِمِ الْغَيْبِ) وقراءة حمزة والكسائي «علام» بصيغة المبالغة كما هو أليق بالموضع.
ولما كنا لقصور علمنا متقيدين بما في هذا الكون مع أن الكلام فيه ، قال مصرحا بالمقصود على أتم وجه : (لا يَعْزُبُ) ـ أي يغيب ويبعد عزوبا قويا ـ على قراءة
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
