إلى النقص من الشرك والتجسيم وما شاكله (وَتَعالى) علوا لا يحاط به (عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي إن علوه عن ذلك علو من يبالغ فيه ، فهو في غاية من العلو لا يكون وراءها غاية لأنه لو كان له شريك لنازعه هذه القدرة أو بعضها فمنعه شيئا منها ، وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء ، روى البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره عن عبد الله رضي الله عنه قال : جاء حبر من اليهود إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يميزهن ثم يقول : أنا الملك ، فلقد رأيت النبي صلىاللهعليهوسلم يضحك حتى بدت نواجذه ـ تعجيبا وتصديقا لقوله ـ ثم قال النبي صلىاللهعليهوسلم (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ـ إلى : ـ (يُشْرِكُونَ)(١) [الأنعام : ٩١] وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول : أنا الملك اين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ، وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : يقبض الله الأرض يوم القيامة ، ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض (٢).
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨))
ولما دل على عظيم قدره ببعض ما يكون يوم القيامة ، أتبعه ما لا يحتمله القوي من أحوال ذلك اليوم دليلا آخر ، فقال دالّا على عظيم قدرته وعزه وعظمته بالبناء للمفعول : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) أي القرن العاطف للأشياء المقبل بها نحو صوته المميل لها عن أحوالها العالي عليها في ذلك اليوم بعد بعث الخلائق وهي النفخة الأولى بعد البعث التي هي بعد نفختي الموت والبعث المذكورتين في سورة يس ، والمراد بها ـ والله أعلم ـ إلقاء الرعب والمخافة والهول في القلوب إظهارا للعظمة وترديا بالكبرياء والعز في عزة يوم المحشر ليكون أول ما يفجأهم يوم الدين ما لا يحتمله القوي ، ولا تطيقه الأحلام والنهى ، كما كان آخر ما فجأهم في يوم الدنيا وإن افترقا في التأثير ، فإن تلك أثرت الموت ، وهذه أثرت الغشي لأنه لا موت بعد البعث ، وهي الثالثة من النفخات
__________________
(١) أخرجه البخاري ٧٤١٤ و ٧٤١٥ ومسلم ٢٧٨٦ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وأخرجه مسلم فقط ٢٧٨٨ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قلت : وهم المؤلف رحمهالله تعالى فإني قرأت كل الروايات التي عند البخاري فلم أجد ما نسبه إليه من حديث ابن عمر قط.
(٢) أخرجه البخاري ٧٣٨٢ ومسلم ٢٧٨٧ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
