وقال : إن كانت القصة على ما في كتاب الله عزوجل فما ينبغي أن يلتمس خلافها ، وأعظم بأن يقال غير ذلك ، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه صلىاللهعليهوسلم فما ينبغي إظهارها عليه ، فقال عمر بن عبد العزيز : لسماعي هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس. وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود ، وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليهالسلام لأن عيسى عليهالسلام من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه.
ولما ظن هذا ، سبب له تحقيق ما وصفه الله به من الأوبة فعبر عن ذلك بقوله : (فَاسْتَغْفَرَ) ولما استغرقته العظمة التي هذا مخرها ، رجع إلى ذكر الإحسان واللطف فقال : (رَبَّهُ) أي طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه بإحلاله ذلك المحل العظيم من أن يعود للحكم للأول بدون أن يسمع الآخر (وَخَرَّ) أي سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك ، ولما كان الخرور قد يكون لغير العبادة قال : (راكِعاً) أي ساجدا لأن الخرور لا يكون إلا للسقوط على الأرض ، ولأن النبي صلىاللهعليهوسلم فسره بالسجود فيما روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم سجد في «ص» وقال : سجدها داود توبة ونسجدها شكرا (١). وعبر بالركوع عن السجود ليفهم أنه كان عن قيام وأنه في غاية السرعة لقوة الاهتمام به وتوفر الداعي إليه بحيث إنه وصل إلى السجود في مقدار ما يصل غيره إلى الركوع ، قال ابن التياني في كتابه الموعب : وكل شيء يكب لوجهه فتمس ركبته الأرض بعد أن يطأطىء رأسه فهو راكع. ابن دريد : الراكع الذي يكبو على وجهه ـ انتهى. والركعة ـ بالضم : الهوة من الأرض ، كأنها سميت بذلك لأنها تسقط فيها على الوجه ، وكأنها هي أصل المادة ، وقال في القاموس : ركع أي صلى ، فحينئذ يكون المعنى : سقط مصليا ، ومعلوم أن صلاتهم لا ركوع فيها وقد تقدم ذلك في آل عمران والبقرة (وَأَنابَ) أي تاب أي رجع عن أن يعود لمثلها. ولما كان الحال قد يشكل في الإخبار عن المغفرة لو عبر بضمير الغائب لإيهام أن ربه غير المتكلم ، وكان الغفران لا يحسن إلا مع القدرة ، عاد إلى مظهر العظمة إثباتا للكمال ونفيا للنقص : فقال : (فَغَفَرْنا) أي بسبب ذلك وفي أثره على عظمتنا وتمام قدرتنا غفرا يناسب مقداره ما لنا من العظمة (لَهُ ذلِكَ) أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع لكلامه ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم اشترط على ربه سبحانه لأجل هذه القصة أن كل من سبه أو دعا عليه وليس أهلا لذلك أن يكون ذلك له صلاة وبركة ورحمة ، والحاصل أن هذه
__________________
(١) أخرجه النسائي ٢ / ١٥٩ والدارقطني ١ / ٤٠٧ وابن خزيمة ٥٥١ عن ابن عباس رضي الله عنهما وأخرج البخاري ٣٤٢١ و ٤٨٠٦ و ٤٦٣٢ وابن حبان ٢٧٦٦ قصة السجود دون القول.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
