القضية لتدريب النبي صلىاللهعليهوسلم على الصبر على قومه ، والثاني فإن هذه السورة على ما روي عن جابر بن زيد من أوائل ما أنزل بمكة ، وعلى هذا دل الحديث السابق عن ابن عباس رضي الله عنهما في شكوى المشركين منه صلىاللهعليهوسلم إلى عمه أبي طالب الوقوع في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر ، فإن النبي صلىاللهعليهوسلم أول ما دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم يبعدوا عنه كل البعد ، ثم أمره الله بذكر آلهتهم فناكروه حينئذ وباعدوه ، وتقدموا ذلك بالشكوى إلى أبي طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه ، فكانت هذه الدعوى تدريبا لداود عليهالسلام في الأحكام ، وذكرها للنبي صلىاللهعليهوسلم تدريبا له على الأناة في جميع أموره على الدوام. ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئا في مقامه صلىاللهعليهوسلم ، سيق في أسلوب التأكيد قوله : (وَإِنَّ لَهُ) أي مع الغفران ، وعظم ذلك بمظهر العظمة لأن ما ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيما فقال : (عِنْدَنا) وزاد في إظهار الاهتمام بذلك نفيا لذلك الذي ربما توهم ، فأكد قوله : (لَزُلْفى) أي قربة عظيمة ثابتة بعد المغفرة (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي مرجع في كل ما يؤمل من الخير ، وفوق ذلك فهذا معلم ولا بد بأن هذه القضية لم يجر إلى ذكرها إلا الترقية في رتب الكمال لا غير ذلك ، وأدل دليل على ما ذكرته ـ أن هذه الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم لا بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من قصة المرأة باطل وإن اشتهر ، فكم من باطل مشهور ومذكور هو عين الزور ـ قوله تعالى عقبها على هيئة الاستثمار منها صارفا القول عن مظهر العظمة إلى المواجهة بلذيذ الخطاب ، على نحو ما يجري بين الأحباب (يا داوُدُ).
ولما كان مضمون الخبر لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر ، أكده لذلك وإظهارا لأنه مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية النشاط لذكره فقال : (إِنَّا) أي على ما لنا من العظمة (جَعَلْناكَ) فلا تحسب لشيء من أسبابه حسابا ولا تخش له عاقبة (خَلِيفَةً) أي من قبلنا تنفذ أوامرنا في عبادنا فحكمك حكمنا ، وحذف ما يعلم أنه مراد من نحو (قُلْنا) إشارة إلى أنه استقبل بهذا الكلام الألذ عند فراغه من السجود إعلاما بصدق ظنه ، وقال : (فِي الْأَرْضِ) أي كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها ، فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد أرادها ، ولم يذكر المخلوف تعظيما له بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه فهو كذلك فهو كان خليفة في بيت المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام بالتعبير بفي ، وأشار الإطلاق والتعبير بآل إلى أنها الأرض الكاملة لانبساط الحق منها بإبراهيم عليهالسلام وذريته على سائر الأرض وهو خليفة في جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به فيها صح ، وذلك أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يرسل إلى قومه خاصة فيكون ما يؤديه إليه واجبا عليه ، وأما بقية الناس فأمره معهم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
