ولما أتم ذلك ذهب الداخلون عليه فلم ير منهم أحدا فوقع في نفسه أنه لا خصومة ، وأنهم إنما أرادوا أن يجربوه في الحكم ويدربوه عليه ، وأنه يجوز للشخص أن يقول ما لم يقع إذا انبنى عليه فائدة عظيمة تعين ذلك الكلام طريقا للوصول إليها أو كان أحسن الطرق مع خلو الأمر عن فساد ، وحاصله أنه تذكر كلام ، والمراد به بعض لوازمه ، فهو مثل دلالة التضمن في المفردات ، وهذا مثل قول سليمان عليهالسلام «ائتوني بالسكين أشقه بينهما» وليس مراده إلا ما يلزم عن ذلك من معرفة الصادقة والكاذبة بإباء الأم لذلك وتسليم المدعية كذبا ، وتحقيقه أنه لا ملازمة بين الكلام وإرادة المعنى المطابقي لمفردات ألفاظه بدليل لغو اليمين ، وقول النبي صلىاللهعليهوسلم لصفية رضي الله عنها «عقرى حلقى (١)» ولأم سلمة رضي الله عنها «تربت يمينك (٢)» وقوله صلىاللهعليهوسلم : «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد» (٣) مشير إلى أن الكلام قد لا يراد به معناه ، ومن هنا كان الحكم في ألفاظ الكنايات أنه لا يقع بها شيء إلا إن اقترن بقصد المعنى ، ولما كان هذا القدر معلوما عطف عليه قوله : (وَظَنَّ داوُدُ) أي بذهابهم قبل فصل الأمر وقد دهمه من ذلك أمر عظيم من عظمة الله لا عهد له بمثله (أَنَّما فَتَنَّاهُ) أي اختبرناه بهذه الحكومة في الأحكام التي يلزم الملوك مثلها ليتبين أمرهم فيها. وعلم أنه بادر إلى نسبة المدعى عليه إلى أنه ظلم من قبل أن يسمع كلامه ويسأله المدعي الحكم ، فعاتبه الله على ذلك ، والأنبياء عليهمالسلام لعلو مقاماتهم يعاتبون على مثل هذا ، وهو من قصر الموصوف على الصفة قلبا ، أي هذه القصة مقصورة على الفتنة لا تعلق لها بالخصومة ، ولو كان المراد ما قيل من قصة المرأة التي على كل مسلم تنزيهه وسائر إخوانه عليهمالسلام عن مثلها لقيل «وعلم داود» ولم يقل : وظن ـ كما يشهد بذلك كل من له أدنى ذوق في المحاورات ـ والله الموفق ، وقال الزمخشري : وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ، وهو حد الفرية على الأنبياء عليهمالسلام ، وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز ، وعنده رجل من أهل الحق ، فكذب المحدث به
__________________
(١) أخرجه أحمد ٦ / ٢٢٤ و ٢٥٣ من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة وهذا إسناد كالشمس.
(٢) أخرجه أحمد ٦ / ٩٢ ومسلم ٣١٤ وأبو داود ٢٣٧ والنسائي ١ / ١١٢ والدارمي ١ / ١٩٥ والبيهقي في السنن ١ / ١٦٨ وفي المعرفة ١ / ٤٢٠ ووقع أنها أم سلمة ووقع أنها عائشة رضي الله عنهن.
(٣) أخرجه أبو داود ٢١٩٤ والترمذي ١١٨٤ وابن ماجه ٢٠٣٩ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفيه عبد الرحمن بن أردك قال الذهبي : صدوق له ما ينكر وقال في التقريب : لين الحديث.
قلت : له شاهد عند الطبراني كما في التلخيص ١ / ٢٠٩ من حديث فضالة بن عبيد قال : فيه ابن لهيعة وآخر من حديث عبادة بن الصامت وفيه ابن لهيعة قال ابن حجر : فتقطع رواه الحارث بن أبي أسامة.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
