يكون انكشاف الأمور ، والوقوف على حقائق المقدور ، وبملاحظتها في إصلاح أسبابها تكون السعادة الأبدية ، وبالإعراض عنها وإفساد أسبابها تكون الشقاوة السرمدية ، وكانت قد بينت في هذه السورة بيانا لم يكن في غيرها بما وقع من التصريح في قلبها الذي هو وسطها بنفختها المميتة لكل من على الأرض (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) والباعثة (فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) والتصريح بالمعاد الجسماني والاستدلال عليه بالدليل الذي نقل أن أبا نصر الفارابي ـ الذي وسم بأنه المعلم الثاني ـ كان يقول : وددت أن هذا العالم الرباني ـ يشير إلى المعلم الأول أرسطو ـ وقف على هذا القياس الجلي حتى أعلم ما يقول فيه ، ويتلو قوله تعالى (قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) وترتيب القياس أن يقال : الله أنشأ العظام وأحياها أول مرة ، وكل من أنشأ شيئا وأحياه أول مرة فهو قادر على إنشائه وإحيائه ثاني مرة ، ينتج أن الله قادر على إنشاء العظام وإحيائها بعد فنائها ، فاختصت بذلك عن باقي القرآن كانت قلبا له ، كما قال النبي صلىاللهعليهوسلم فيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه : «لكل شيء قلب وقلب القرآن يس» (١) ورواه أبو يعلى الموصلي ـ وهذا لفظه والإمام أحمد في مسنديهما عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «يس قلب القرآن لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، اقرؤوها على موتاكم» (٢). قال شيخنا الحافظ شهاب الدين البوصيري : وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البزار في مسنده ـ هذا ما هداني الله إليه ، وله الحمد من بيان السر في كونها قلبا ، ثم رأيت البرهان النسفي قال في تفسيره الذي هو مختصر التفسير الكبير للإمام الرازي في آخر السورة بعد أن ذكر الحديث : قال الغزالي فيه : إن ذلك ـ أي كونها قلبا ـ لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر ، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه ، فجعلت قلب القرآن لذلك ، واستحسنه الإمام المدقق المحقق فخر الدين الرازي ، ويمكن أن يقال : إن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة : الوحدانية والرسالة والحشر ، بأقوى البراهين فابتدأها ببيان الرسالة بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ودليله ما قدمه عليها بقوله (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) وما أخبره عنها بقوله (لِتُنْذِرَ قَوْماً) وأنهاها ببيان الوحدانية والحشر بقوله (فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) إشارة إلى التوحيد ، وقوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إشارة إلى الحشر ، وليس في هذه
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٢٨٨٧ وقال حديث غريب وهارون مجهول وفي الباب من حديث أبي بكر ، وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد ٥ / ٢٦ وفيه رجل مبهم عن أبيه ، ولم يسمه أيضا.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
