الآية مع قوله تعالى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) [الفتح : ٢] دليل على فضله صلىاللهعليهوسلم على أهل السماء.
ولما كان مقتضيا للسؤال عن غير هذا من الظلمة ، قيل : (كَذلِكَ) أي مثل هذا الجزاء الفظيع جدا (نَجْزِي الظَّالِمِينَ) كلهم ما داموا على ظلمهم.
ولما أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية ، وتارة بقيد كونها سماوية ، وتارة مطلقة ، لتعم كلا من القسمين وغيرهما ، واستدل على ذلك كله بما لم تبق معه شبهة ، فدل تفرده على أنه لا مانع له مما يريد من بعث ولا غيره ، وكان علمهم لا يتجاوز ما في السماوات والأرض ، قال مستدلا على ذلك أيضا مقررا بما يعلمونه ، أو ينبغي أن يسألوا عنه حتى يعلموه لتمكنهم من ذلك (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) جاليا له في أسلوب العظمة : (أَوَلَمْ) أي ألم يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته ولم يروا ، ولكنه أظهر للدلالة على أنهم يغطون أنوار الدلائل عنادا فقال : (يَرَ) أي يعلم علما هو كالمشاهدة (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما يعلمون من قدرة الله فأدى ذلك إلى الاستهانة والتنقص فصار ذنبهم غير مغفور ، وسعيهم غير مشكور ، وحذف ابن كثير الواو العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه السياق أيضا ، لا للاستفهام بما دل عليه ختام الآية التي قبل من البعث والجزاء المقتضي للإنكار على من أنكره ، فكان المعنى على قراءته : نجزي كل ظالم بعد البعث ، ألم ير المنكرون لذلك قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق ، وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينها ، فمن البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر منفصلا عنه بغير رافع لا سيما إذا كان المرتفع ثابتا من غير عماد ، فكيف وهو عظيم الجسم كبير الجرم؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافىء وغيره ، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.)
ولما كان المراد الإخبار عن الجماعتين لا عن الأفراد قال : (كانَتا) ولما كان المراد شدة الاتصال والتلاحم ، أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم فقال : (رَتْقاً) أي ملتزقتين زبدة واحدة على وجه الماء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق (فَفَتَقْناهُما) أي بعظمتنا أي بأن ميزنا إحداهما عن الأخرى بعد التكوين المتقن وفتقنا السماء بالمطر ، والأرض بأنواع النبات بعد أن لم يكن شيء من ذلك ، ولا كان مقدورا على شيء منه لأحد غيرنا ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء والضحاك وقتادة : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله تعالى بينهما بالهواء. وعن مجاهد وأبي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
