وطمعكما ومبلغكما من العلم ، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما ، وأما علمه تعالى فقد أتى من وراء ما يكون ـ قاله سيبويه في باب من النكرة يجرى مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء.
(قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤))
ولما كان فرعون في غاية الجبروت ، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما الله ، وأرادا علم ما يكون من ذلك (قالا رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا. ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله ـ من شأنه أن لا يكون وأن ينكر ، أكدا فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغا في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر : (إِنَّنا نَخافُ) لما هو فيه من المكنة (أَنْ يَفْرُطَ) أي يعجل (عَلَيْنا) بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء (أَوْ أَنْ يَطْغى) فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار (قالَ لا تَخافا) ثم علل ذلك بما هو مناط النصرة والحياطة للولي والإهلاك للعدو ، فقال مؤكدا إشارة إلى عظم الخبر ، وتنبيها لمضمونه لأنه خارج عن العوائد ، وأثبت النون الثالثة على وزان تأكيدهما : (إِنَّنِي مَعَكُما) لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم (أَسْمَعُ وَأَرى) أي لي هاتان الصفتان ، لا يخفى عليّ شيء من حال رسولي ولا حال عدوه ، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما.
ولما تمهد ذلك ، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان ، فقال مؤكدا للذهاب أيضا لما مضى : (فَأْتِياهُ فَقُولا) أي له ؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما ، أكد سبحانه فقال : (إِنَّا) ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا ـ كما تقدم ـ مطلوبا ، ثنى فقال : (رَسُولا رَبِّكَ) الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من العدم ، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيبا له في ادعائه الربوبية ، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما : (فَأَرْسِلْ مَعَنا) عبيده (بَنِي إِسْرائِيلَ) ليعبدوه ، فإنه لا يستحق العبادة غيره (وَلا تُعَذِّبْهُمْ) بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح ؛ ثم علل دعوى الرسالة بما
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
