إذا كان أصله حقا من عند الله ، (إِنَّهُ الْحَقُ) أي الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل ، مع كونه (مِنْ رَبِّنا) المحسن إلينا ، وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به ؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى الإذعان منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق تلاوته ، لا بألسنتهم فقط ، فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به الموجب لشكره : (إِنَّا كُنَّا) أي كونا هو في غاية الرسوخ ؛ وأشار إلى أن من صح إسلامه ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب ، بإثبات الجار ، فقال : (مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه وغير وصفه وافق هوانا وما ألفناه أو خالفه ، لا جرم كانت النتيجة : (أُولئِكَ) أي العالو الرتبة (يُؤْتَوْنَ) بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء ، والمؤتى معروف (أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) لإيمانهم به غيبا وشهادة ، أو بالكتاب الأول ثم الكتاب الثاني (بِما صَبَرُوا) على ما كان من الإيمان قبل العيان ، بعد ما هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم الذي كان ، وغير ذلك من امتحان الملك الديان.
ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء ، قال عاطفا على (يُؤْمِنُونَ) مشيرا إلى تجديد هذه الأفعال كل حين : (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ) من الأقوال والأفعال (السَّيِّئَةَ) أي من ذلك كله فيمحونها بها.
ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) أي بعظمتنا ، لا بحول منهم ولا قوة ، قليلا كان أو كثيرا (يُنْفِقُونَ) معتمدين في الخلق على الذي رزقه ؛ قال البغوي : قال سعيد بن جبير : قدم مع جعفر رضي الله تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلا ، يعني : فأسلموا ، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا النبي صلىاللهعليهوسلم في أموالهم ، فأتوا بها فواسوا بها المسلمين (١).
(وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨))
__________________
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٣ / ٣٨٦ عن سعيد بن جبير مرسلا.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
