حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩))
ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته ، توقع السامع الدلالة على علمه سبحانه ، فقال مبتدئا بحرف التوقع مشيرا إلى أنه لا نكير في فضل الآخر على الأول عاطفا على ما تقديره : فلقد آتينا موسى وأخاه هارون عليهماالسلام حكمة وهدى وعلما ونصرا على من خالفهما وعزا : (وَلَقَدْ آتَيْنا) أي بما لنا من العظمة (داوُدَ وَسُلَيْمانَ) أي ابن داود ، وهما من أتباع موسى عليهمالسلام وبعده بأزمان متطاولة (عِلْماً) أي جزاء من العلم عظيما من منطق الطير والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما.
ولما كان التقدير : فعملا بمقتضاه ، عطف عليه قوله : (وَقالا) شكرا عليه ، دلالة على شرف العلم وتنبيها لأهله على التواضع : (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال (لِلَّهِ) أي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال (الَّذِي فَضَّلَنا) أي بما آتانا من ذلك (عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) أي الذين صار الإيمان لهم خلقا.
ولما كان كل منهما عليهماالسلام قد أوتي ما ذكر ، أشار إلى فضل سليمان عليهالسلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) أي أباه عليهماالسلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة ، فشكر الله على ما أنعم به عليه أولا وثانيا (وَقالَ) أي سليمان عليهالسلام محدثا بنعمة ربه ومنبها على ما شرفه الله به ، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير : (يا أَيُّهَا النَّاسُ).
ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله ، فإنه لا يقدر على ذلك غيره ، قال بانيا للمفعول : (عُلِّمْنا) أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في شيء ، بل هو كلام الواحد المطاع ، تنبيها على تعظيم الله بما عظمه به مما يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلىاللهعليهوسلم يفعل إذا كان هناك حال يحوج إليه كما قال في الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عزوجل ، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة (مَنْطِقَ الطَّيْرِ) أي فهم ما يريد كل طائر إذا صوت ، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، ولا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها يؤتيها
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
