ولما أيأسهم مما أرادوا من طرد أتباعه لما أوهموا من اتباعه لو طردهم خداعا ، أقبلوا على التهديد ، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله : (قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب فقالوا : (يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) أي المقتولين ، ولا ينفعك أتباعك هؤلاء الضعفاء.
(قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩))
ولما أيس منهم بما سمع من المبالغة بالتأكيد في قولهم ، ورأى بما يصدقه من فعلهم ، قال تعالى مخبرا عنه جوابا لسؤال من يريد تعرف حاله بعد ذلك : (قالَ) شاكيا إلى الله تعالى ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم وإلهابا إليه وتهييجا ، معرضا عن تهديدهم له صبرا واحتسابا ، لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واكتفاء عنه بسببه : (رَبِ) أي أيها المحسن إليّ.
ولما كان الحال مقتضيا لأن يصدقوه لما له في نفسه من الأمانة ، وبهم من القرابة ، ولما أقام على ما دعاهم إليه من الأدلة مع ما له في نفسه من الوضوح ، أكد الإخبار بتكذيبهم ، إعلاما بوجوده ، وبأنه تحققه منهم من غير شك فقال : (إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) أي فلا نية لهم في اتباعي (فَافْتَحْ) أي احكم (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً) أي حكما يكون لي فيه فرج ، وبه من الضيق مخرج ، فأهلك المبطلين وأنجز حتفهم (وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ) أي في الدين (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) مما تعذب به الكافرين.
ولما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف ، أبرزه في مظهر العظمة فقال : (فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ) أي ممن لا يخالفه في الدين على ضعفهم وقلتهم (فِي الْفُلْكِ) ولما كانت سلامة المملوء جدا أغرب قال : (الْمَشْحُونِ) أي المملوء بمن حمل فيه من الناس والطير وسائر الحيوان وما حمل من زادهم وما يصلحهم.
ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد ـ ومظهر العظمة فقال : (ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ) أي بعد حمله الذي هو سبب إنجائه (الْباقِينَ) أي من بقي على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم ، وكان ذلك علينا يسيرا.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
