هو الله المنوه باسمه في هذا النظام ، بالالتفات إلى أسلوب التكلم ، تنبيها لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال : (مِنْ رَحْمَتِي) أي من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم ؛ وكرر الإشارة تفخيما للأمر فقال : (وَأُولئِكَ) أي الذين ليس بعد بعدهم بعد ، وتهكم بهم في التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب فقال : (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة.
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧))
ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسّلام ، وزاد هذا ما ترى من التهديد الشديد ، شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسّلام دالا على أنه لا أحد يعجزه ، ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم ، مشيرا إلى أنهم سببوا عن قوله ضد ما يقتضيه إيذانا بالعناد ، والإصرار على سوء الاعتقاد ، فقال : (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) أي الذين يرجى قبولهم لنصحه علما منهم بوفور شفقته وعظم أمانته ونصيحته (إِلَّا أَنْ قالُوا) بأعظم فظاظة (اقْتُلُوهُ) أي بالسيف (أَوْ حَرِّقُوهُ) أي بالنار.
ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني ، ولم يكن له فيهم نصير ، أشار إليه سبحانه بقوله ناسقا له على ما تقديره : فأبى المعظم القتل لأنه عذاب مألوف لمن يستحقه من المجرمين ، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة غريبة ، فرجعوا عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطبا إلى أن ملأ ما بين الجبال ، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال ، وقذفوه فيها بالمنجنيق (فَأَنْجاهُ اللهُ) بما له من كمال العظمة إنجاء وحيّا من غير احتياج إلى تدريج (مِنَ النَّارِ) أي من إحراقها وأذاها ، ونفعته بأن أحرقت وثاقه.
ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات ، وأمور معجزات ، عظم
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
