فذكر ما يسقي الأرض ، وطوى ذكر ما ينشأ عنه من النبات للعلم به ، ذكر أحوال ما يتكون به من الحيوانات دليلا ظاهرا على الإعادة ، وبرهانا قاهرا للمنكرين لها فقال : (وَاللهُ) أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة (خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ) أي مما تقدم أنه يسبح له.
ولما ذكر أنواعا من الحيوان ، نكر بخلاف ما في الأنبياء فقال : (مِنْ ماءٍ) أي دافق هو أعظم أجزاء مادته كما خلق النبات من ماء (١) «هامر» كذلك ، وفاوت بينه مع كون الكل من الماء الهامر الذي لا تفاوت فيه (فَمِنْهُمْ) أي الدواب.
ولما كان في سياق التعظيم ، وكان قد آتى كل نفس من الإدراك ما تعرف به منافعها ومضارها ، عبر عن الكل بأداة من يعقل وإن كانوا متفاوتين في التمييز فقال :
(مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ) أي من غير رجل ؛ وقدم هذا لكونه أدل على القدرة ، وسماه مشيا استعارة ومشاكلة (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ) أي ليس غير (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) أي من الأيدي والأرجل ، وفي هذا تنبيه على من يمشي على أكثر من ذلك ، وإليه الإشارة بقوله : (يَخْلُقُ اللهُ) وعبر باسم الجلالة إعلاما بتناهي العظمة ؛ وقال : (ما يَشاءُ) دلالة على أنه فعله بقدرته واختياره ، لا مدخل لشيء غير ذلك فيه إلا بتقدير العزيز العليم.
ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر ، وكانوا منكرين له ، أكد قوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الكمال المطلق (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من ذلك وغيره (قَدِيرٌ).
ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص ، وقامت أدلة الوحدانية على ساق ، واتسقت براهين الألوهية أي اتساق ، قال مترجما لتلك الأدلة : (لَقَدْ أَنْزَلْنا) أي في هذه السورة وما تقدمها ، بما لنا من العظمة (آياتٍ) أي من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال (مُبَيِّناتٍ) لا خفاء في شيء منها عند أحد من الخلق ، لأن الله قد أراد هدايتكم ، بعضكم بالبيان ، وبعضكم بخلق الإذعان (وَاللهُ) أي الملك الأعظم (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) من العباد كلهم (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) بالقوة بإنزال الآيات ، والفعل يخلق الإيمان والإخبات ، فيؤمنون إيمانا ثابتا.
ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ابتداء نصبها ، فكان السياق ظاهرا في أن التقدير : والله يضل من يشاء فيكفرون بالآيات والذكر الحكيم ، وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى الظلام أشد غرابة ، عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله دليلا شهوديا على ذلك المطوي ، معجبا ممن عمي عن
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
