معه ـ بما أشير إليه بدخوله المدينة على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير الإسرائيلي ، وبقوله (عَدُوٌّ لَهُما) من ذم الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه الصلاة والسّلام.
ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره ، خاف غائلته فزاد في الإغراء به ، مؤكدا بقوله : (أَنْ) أي ما (تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ) أي كونا راسخا (جَبَّاراً) أي قاهرا غالبا ؛ قال أبو حيان : وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. (فِي الْأَرْضِ) أي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد (وَما تُرِيدُ) أي يتجدد لك إرادة (أَنْ تَكُونَ) أي بما هو لك كالجبلة (مِنَ الْمُصْلِحِينَ) أي العريقين في الصلاح ، فإن المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة ، فلما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي ، وكانوا ـ لما قتل ذلك القبطي ـ ظنوا في بني إسرائيل ، فأغروا فرعون بهم فقال : هل من بينة ، فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ينبغي له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت ـ كما ذكر ذلك في حديث المفتون الذي رواه أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فلما قال هذا الغوي هذه المقالة تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسّلام.
(وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤))
ولما كان تقدير الكلام الذي أرشد إليه السياق : فلما سمع الفرعوني قول الإسرائيلي تركه. ثم رقي الكلام إلى أن بلغ فرعون فوقع الكلام في الأمر بقتل موسى عليه الصلاة والسّلام ، عطف عليه قوله : (وَجاءَ رَجُلٌ) أي ممن يحب موسى عليه الصلاة والسّلام. ولما كان الأمر مهما ، يحتاج إلى مزيد عزم وعظم قوة ، قدم فاعل المجيء على متعلقه بخلاف ما في سورة يس.
ولما كان في بيان الاقتدار على الأمور الهائلة من الأخذ بالخناق حتى يقول القائل : لا خلاص ، ثم الإسعاف بالفرج حتى يقول : لا هلاك ، قال واصفا للرجل :
(مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ) أي أبعدها مكانا ، وبين أنه كان ماشيا بقوله : (يَسْعى) ولكنه اختصر طريقا وأسرع في مشيه بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه فكأنه قيل : ما فعل؟ فقيل : (قالَ) مناديا له باسمه تعطفا
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
