السّلام باجتهاده انتهى. وأتبعه من الخوارق ما يشهد له بالتقدم والفضل فقال : (وَسَخَّرْنا) أي بعظمتنا التي لا يعيبها شيء.
ولما كان هذا الخارق في التنزيه ، لم يعد الفعل باللام زيادة في التنزيه وإبعادا عما ربما أوهم غيره فقال مقدما ما هو أدل على القدرة في ذلك لأنه أبعد عن النطق : (مَعَ داوُدَ الْجِبالَ) أي التي هي أقوى من الحرث ، حال كونهن (يُسَبِّحْنَ) معه ، ولو شئنا لجعلنا الحرث أو الغنم يكلمه بصواب الحكم ، ولم يذكر ناقة صالح لأنها مقترحة موجبة لعذاب الاستئصال ، فلم يناسب ذكرها هنا ، لما أشار إليه قوله تعالى (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ،) و (ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) وهذه الآيات التي ذكرت هنا ليس فيها شيء مقترح (وَالطَّيْرَ) التي سخرنا لها الريح التي هي أقوى من الجبال وأكثر سكناها الجبال ، سخرناها معه تسبح (وَكُنَّا فاعِلِينَ) أي من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل ، ولكل شيء نريده بما لنا من العظمة المحيطة ، فلا تستكثروا علينا أمرا وإن كان عندكم عجبا ، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة ، كان مطرف بن عبد الله ابن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه ابنته ، هذا مع أن الطعام كان يسبح بحضرة النبي صلىاللهعليهوسلم والحصا وغيره.
(وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨))
ولما ذكر التسخير بالتسبيح ، أشار إلى تسخير الحديد الذي هو أقوى تراب الجبال وأصلبه وأصفاه فقال : (وَعَلَّمْناهُ) أي بعظمتنا (صَنْعَةَ لَبُوسٍ) قال البغوي : وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها ، وهو كالجلوس والركوب. (لَكُمْ) أي لتلبسوه في حربكم ، وألنا له في عمله الحديد ليجتمع له إلى العلم سهولة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
