نصيبا مما تفرد الله بخلقه ، ثم يجعل لها أيضا بعض ما كان سماه لله ، ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم ، وينصب لهم المكايد والحروب ، ويؤذيهم بالقول والفعل ، مع علمه بأن الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم العوائد ، فكان هذا فعل من لا يعبأ بالشيء (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً) [الفرقان : ٢١](أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ) [الدخان : ١٩] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار ، لأنهم يفعلون ما يلزم عليه هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل.
ولما كان التقدير تسلية له صلىاللهعليهوسلم : فالزم ما نأمرك به ولا يزد همّك بردهم عما هم فيه ، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلا ، عطف عليه قوله : (وَما أَرْسَلْناكَ) أي بما لنا من العظمة.
ولما كان سياق السورة للإنذار ، لما ذكر فيها من سوء مقالهم ، وقبح أفعالهم ، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل ، ويفهم كثرة المفعول ، بشارة بكثرة المطيع ، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة فقال : (إِلَّا مُبَشِّراً) أي لكل من يؤمن (وَنَذِيراً) لكل من يعصي.
(قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١))
ولما وقع جوابهم عن قولهم (لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) [الفرقان : ٧] وكان قد بقي قولهم (أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ) [الفرقان : ٨] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن كأنه قال : ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره؟ فقال : (قُلْ) أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة ، وأعدلهم طريقة محتجا عليهم بإزالة ما يكون موضعا للتهمة : (ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي على الإبلاغ بالبشارة والنذارة (مِنْ أَجْرٍ) لتتهموني أني أدعوكم لأجله ، أو تقولوا : لو لا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك ، فكأنه يقول : الاقتصار عن التوسع في المال إنما يكره لمن يسأل الناس ، وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا المعنى بقوله ، مستثنيا لأن الاستثناء معيار العموم : (إِلَّا مَنْ) أي إلا أجر من (شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ) أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له (إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) فإنه إذا اهتدى
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
