من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة ، من الهوى والكسل ، والفتور والملل ، جعلها حجبا تحجبه عن النفوذ ، وتستر عنه المدارك ، وتمنعه من البلوغ ، إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها القوى ، وتضعف عندها العزائم ، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياسا صحيحا ، لغلطه في المقدمات ، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة ، واهية الأساس ، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين ، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن ، والمشاجرة والفتن ، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس وتلف الأرواح ، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعا يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسّلام ، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي ، والنور الضوي ، والمنهل الروي ، والسبب القوي ، من تمسك به هدي ولم يزغ ، حد فيه سبحانه حدودا ، وأقام فيه زواجر ، لتظهر حكمته ، ويتضح علمه وقدرته ، فصارت شرائع متفقة الأصول ، مختلفة الفروع ، بحسب الأزمنة ، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار ، وامتحانا للعباد ، تمييزا لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد ، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه تذهب العقول ، وتعمي البصائر ، ختم الآية بقوله : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم ، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية ، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم ، فلا تتولوا بعد قولكم (سَمِعْنا وَأَطَعْنا) [المائدة : ٧] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤))
ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام ، وتلاه بما رأيت أن نظمه أحسن نظام ، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد هذا البيان مسلوب العقل ، وكرر في هذه السورة ذكر البيان ، تكريرا أشار إلى لمعان المعاني بأمتن بنان ، حتى صارت مشخصات للعيان ، وبين من حاز وصف الإيمان ، بحسن الاستئذان ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
