وتراهم لو كانت مبصرة (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وهو أقصى ما يمكن رؤيتها منه وهم يساقون إليها (سَمِعُوا لَها) أي خاصة (تَغَيُّظاً) أي صوتا في غليانها وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب (وَزَفِيراً) أي صوتا يدل على تناهي الغضب ، وأصله صوت يسمع من الجوف.
ولما وصف ملاقاتها لهم ، وصف إلقاءهم فيها قال : (وَإِذا أُلْقُوا) أي طرحوا طرح إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين (مِنْها) أي النار (مَكاناً) ووصفه بقوله : (ضَيِّقاً) زيادة في فظاعتها (مُقَرَّنِينَ) بأيسر أمر ، أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل ، أو حبال المسد ، أو مع من أغواهم من الشياطين ، والتقرين : جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل (دَعَوْا هُنالِكَ) أي في ذلك الموضع البغيض البعيد عن الرفق (ثُبُوراً) أي هلاكا عظيما فيقولون : يا ثبوراه! لأنه لا منادم لهم غيره ، وليس بحضرة أحد منهم سواه ؛ قال ابن جرير : وأصل الثبر في كلام العرب الانصراف عن الشيء. فالمعنى حينئذ : دعوا انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان إلى الكفر ، فلم يكن لهم سمير إلا استحضارهم لذلك تأسفا وتندما ، فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله تعالى : (لا تَدْعُوا الْيَوْمَ) أيها الكفار (ثُبُوراً واحِداً) لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك (وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) لا يحصره الإحصاء ولا آخر له ، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك لا تبارحكم أصلا ولكنه لا موت.
(قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨))
ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق ، اقتضى الحال سؤالهم : هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا؟ في سياق الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون ، تنبيها على أنه أعلى رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة ، وتهكما بهم ، فقال تعالى : (قُلْ أَذلِكَ) أي الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة.
ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل تنبيها على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد ، أو يكون ذلك على طريق التنزل
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
