ولما أثبت الداعي إلى طاعته ، نفى الناهي عنها فقال : (وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي الدعاء إلى الله (مِنْ أَجْرٍ) أي فتتهموني بسببه ؛ ونفى سؤاله لغيرهم من الخلائق بتخصيصه بالخالق فقال : (إِنْ) أي ما (أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) أي المحسن إليهم بإيجادهم ثم تربيتهم. فلما وجدوا المقتضى لاتباعه وانتفى المانع ، أنكر عليهم ما يوجب عذابهم من إيثارهم شهوة الفرج المخرج لهم إلى ما صاروا به سبة في الخلق فقال موبخا مقرعا بيانا لتفاحش فعلهم وعظمه : (أَتَأْتُونَ) أي إتيان المعصية (الذُّكْرانَ) ولعلهم كانوا يفعلون بالذكور من غير الآدميين توغلا في الشر وتجاهرا بالتهتك لقوله : (مِنَ الْعالَمِينَ) أي كلهم ، أو يكون المعنى : من بين الخلائق ، أي أنكم اختصصتم بإتيان الذكران ، لم يفعل هذا الفعل غيركم من الناكحين من الخلق (وَتَذَرُونَ) أي تتركون لهذا الغرض (ما خَلَقَ لَكُمْ) أي النكاح (رَبُّكُمْ) المحسن إليكم (مِنْ أَزْواجِكُمْ) أي وهن الإناث ، على أن «من» للبيان ، ويجوز أن تكون مبعضة ، ويكون المخلوق كذلك هو القبل.
ولما كانوا كأنهم قالوا : نحن لم نترك أزواجنا ، حملا لقوله على الترك أصلا ورأسا وإن كانوا قد فهموا أن مراده تركهن حال الفعل في الذكور ، قال مضربا عن مقالهم هذا المعلوم تقديره لما أرادوه به ، حيدة عن الحق ، وتماديا في الفجور : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) أي تركتم الأزواج بتعدي الفعل بهن وتجاوزه إلى الفعل بالذكران ، وليس ذلك ببدع من أمركم ، فإن العدوان ـ الذي هو مجاوزة الحد في الشر ـ وصف لكم أنتم عريقون فيه ، فلذلك لا تقفون عند حد حده الله تعالى.
فلما اتضح الحق ، وعرف المراد ، وكان غريبا عندهم ، وتشوف السامع إلى جوابهم ، استؤنف الإخبار عنه ، فقيل إعلاما بانقطاعهم وأنهم عارفون أنه لا وجه لهم في ذلك أصلا لعدولهم إلى الفحش : (قالُوا) مقسمين : (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) وسموه باسمه جفاء وغلظة فقالوا : (يا لُوطُ) عن مثل إنكارك هذا علينا.
ولما كان لما له من العظمة بالنبوة والأفعال الشريفة التي توجب إجلاله وإنكار كل من يسمعهم أن يخرج مثله ، زادوا في التأكيد فقالوا : (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) أي ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع تصير مشهورا به بينهم. إشارة إلى أنه غريب عندهم ، وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم ، وكان قصدهم بذلك أن يكونوا هم المتولين لإخراجه إهانة له للاستراحة منه ، فكان إخراجه ، لكن إخراج إكرام للاستراحة منهم والنجاة من عذابهم بتولي الملائكة الكرام (قالَ) أي جوابا لهم : (إِنِّي) مؤكدا لمضمون ما يأتي به (لِعَمَلِكُمْ) ولم يقل : قال بل زاد في التأكيد بقوله : (مِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
