ولا يصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي (بَلْ) الذين جعلوهم له ولدا وهم الملائكة (عِبادٌ) من عباده ، أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد ، فإن العبودية تنافي الولدية (مُكْرَمُونَ) بالعصمة من الزلل ، ولذلك فسر الإكرام بقوله : (لا يَسْبِقُونَهُ) أي لا يسبقون إذنه (بِالْقَوْلِ) أي بقولهم ، لأنهم لا يقولون شيئا لم يأذن لهم فيه ويطلقه لهم.
ولما كان الواقف عما لم يؤذن له فيه قد لا يفعل ما أمر به قال : (وَهُمْ بِأَمْرِهِ) أي خاصة إذا أمرهم (يَعْمَلُونَ) لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية الطاعة ؛ ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه فقال : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي مما لم يعملوه (وَما خَلْفَهُمْ) مما عملوه ، أو يكون الأول لما عملوه والثاني لما لم يعملوه ، لأنك تطلع على ما قدامك ويخفى عليك ما خلفك ، أي أن علمه محيط بأحوالهم ماضيا وحالا ومآلا ، لا يخفى عليه خافية ؛ ثم صرح بلازم الجملة الأولى فقال : (وَلا يَشْفَعُونَ) أي في الدنيا ولا في الآخرة (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه ، وبلازم الجملة الثانية فقال : (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ) أي لا من غيرها (مُشْفِقُونَ) أي دائما.
(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١))
ولما نفى الشريك مطلقا ثم مقيدا بالولدية ، أتبعه التهديد على ادعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع فقال : (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ) أي من كل من قام الدليل على أنه لا يصلح للإلهية حتى العباد المكرمون الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم كما رواه البيهقي في الخصائص من الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما : (إِنِّي إِلهٌ) ولما كانت الرتب التي تحت رتبة الإلهية كثيرة ، بعّض ليدل على من استغرق بطريق الأولى فقال : (مِنْ دُونِهِ) أي من دون الله (فَذلِكَ) أي اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا ما دام على ذلك (نَجْزِيهِ) أي بعظمتنا (جَهَنَّمَ) لظلمه ، فأفهم تعذيب مدعي الشرك تعذيب أتباعه من باب الأولى ، وهو على سبيل الفرض والتمثيل في الملائكة من إحاطة علمه بأنه لا يكون ، وما ذاك إلا لقصد تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد ، وفي دلائل النبوة للبيهقي في باب التحدث بالنعمة والخصائص أن هذه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
