المشروط نوعا من الإلحاد ، لا الإلحاد الكامل ، عبر بقوله : (مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) ودل هذا الخبر عمن أراد شيئا مما فعله الكفار أن الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته.
(وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١))
ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت ، أتبعه التذكير به وبحجه ، لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة ، بما فيه من الوفادة على الله ، مع التجرد من المحيط ، والخضوع للرب ، والاجتماع في المشاعر موقفا في أثر موقف ، ولما فيه من الحث على التسنن بأبيهم الأعظم إبراهيم عليهالسلام فقال ، مقرعا وموبخا لمن أشرك في نفعه «أسست على التوحيد من أول يوم» عطفا على قوله أول السورة (اتَّقُوا وَإِذْ) أي واذكروا إذ (بَوَّأْنا) بما لنا من العظمة ، ولما لم يجعله سبحانه سكنه بنفسه ، قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال : (لِإِبْراهِيمَ) أي قدرنا له (مَكانَ الْبَيْتِ) أي الكعبة وجعلناه له مباءة ، أي منزلا يبوء إليه أي يرجع ، لأنه ـ لما نودعه فيه من اللطائف ـ أهل لأن يرجع إليه من فارقه ويحن إليه ، ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته ، من المباءة بمعنى المنزل ، وبوأه إياه وبوأه له ، أي أنزله ، قال في ترتيب المحكم : وقيل : هيأته ومكنت له فيه. ويدل على أن إبراهيم عليهالسلام أول بان للبيت ما في الصحيح «عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أيّ؟ قال : بيت المقدس ، قلت : كم بينهما؟ قال : أربعون سنة» (١) ولما كان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام نبيا ، كان من
__________________
(١) أخرجه البخاري ٣٣٦٦ ومسلم ٥٢٠ وابن ماجه ٧٥٣ وأحمد ٥ / ١٦٠ من حديث أبي ذر.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
