بالإيمان وما يترتب عليه ، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على (مَنْ كَفَرَ) وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلا ، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم ، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره ، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وأقل ما ينفع والديه وشيخه في ذلك العمل ، وعبر بالنفس ليدل ـ بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه ـ على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق ، فقال : (فَلِأَنْفُسِهِمْ) أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة عملهم الصالح ولأنفسهم (يَمْهَدُونَ) أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة ، بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز طاعته ، والآية من الاحتباك : حذف أولا عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد ، وثانيا كون العمل خاصا بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة ، وأحسن من هذا أن يقال : ذكر الكفر الذي هو السبب دليلا على الإيمان ثانيا ، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانيا دليلا على العمل السيء أولا.
(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧))
ولما فرغ من بيان تصدعهم ، ذكر علته فقال : (لِيَجْزِيَ) أي الله سبحانه الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين ، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم فقال : (الَّذِينَ آمَنُوا) أي ولو على أدنى الوجوه (وَعَمِلُوا) أي تصديقا لإيمانهم (الصَّالِحاتِ) ولما كانت الأعمال نعمة منه ، فكان الجزاء محض إحسان ، قال : (مِنْ فَضْلِهِ.)
ولما كان تنعيمهم من أعظم عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون منهم ، علله بقوله على سبيل التأكيد دفعا لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على العصاة لمحبة الله لهم : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) أي لا يفعل مع العريقين في الكفر فعل المحب ، فلا يسويهم بالمؤمنين ، وعلم من ذلك ما طوى من جزائهم ، فالآية من وادي الاحتباك ، وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء ويكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر ، فالتقدير هنا بعد ما ذكر من جزاء الذين آمنوا أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا وعملوا السيئات بعدله لأنه لا يحب الكافرين ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
