(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠))
ولما بان من هذا أنه المتفرد في الملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة ، اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله : (ضَرَبَ لَكُمْ) أي بحكمته في أمر الأصنام وبيان إبطال من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير : (مَثَلاً) مبتدئا (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) التي هي أقرب الأشياء إليكم ، فأنتم لما تذكرون به أجدر بأن تفهموه.
ولما كان حاصل المثل أنه لا يكون مملوك كمالك ، وكان التقرير أقرب إلى التذكير وأبعد عن التنفير ، قال منكرا موبخا مقررا : (هَلْ لَكُمْ) أي يا من عبدوا مع الله بعض عبيده (مِنْ ما) أي من بعض ما (مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي من العبيد أو الإماء الذين هم بشر مثلكم ، وعم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة الجار بقوله : (مِنْ شُرَكاءَ) أي في حالة من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا لله شركاء ، ونبه على ما في إيجاد الرزق ثم قسمته بين الخلق وغير ذلك من شؤونه بقوله : التفاتا بعد طول التعبير بالغيبة التي قد يتوهم معها بعد ـ إلى التكلم بالنون الدال مع القرب على العظمة ولذة الإقبال بالمخاطبة : (فِي ما رَزَقْناكُمْ) أي بما لنا من العظمة من مال أو جاه مع ضعف ملككم فيه.
ولما كانت الشركة سببا لتساوي الشريكين في الأمر المشترك قال : (فَأَنْتُمْ) أي معاشر الأحرار والعبيد. ولما كان ربما توهم أن «من شركاء» صفة لأولاد من سراريهم ، قدم الصلة دفعا لذلك فقال : (فِيهِ) أي الشيء الذي وقعت فيه الشركة من ذلك الرزق خاصة لا غيره من نسب أو حسب ونحوهما أو خفة في بدن أو قلب أو طول في عمر ونحوها ، وأما أولادهم من السراري فربما ساووهم في ذلك وغيره من النسب ونحوه ، والعبيد ربما ساووهم في قوة البدن وطول العمر أو زادوا (سَواءٌ) ثم بين المساواة التي هي أن يكون حكم أحد القبيلين في المشترك على السواء كحكم الآخر لا يستبد أحدهما عن الآخر بشيء بقوله : (تَخافُونَهُمْ) أي معاشر السادة في التصرف في ذلك الشيء المشترك.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
