يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦))
ولما لم يبق هذا الذي أقامه من دلائل القدرة على كل شيء عموما ، وعلى البعث خصوصا ، مقال ، يرد عن الغي إلا التهديد بالنكال ، وكان كلامهم هذا موجبا للنبي صلىاللهعليهوسلم من الغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، قال سبحانه ملقنا له ومرشدا لهم في صورة التهديد : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي أيها المعاندون أو العمي الجاهلون.
ولما كان المراد الاسترشاد للاعتقاد ، والرجوع عن الغي والعناد ، لكون السياق له ، لا مجرد التهديد ، قال : (فَانْظُرُوا) بالفاء المقتضية للإسراع ، وعظم المأمور بنظره بجعله أهلا للعناية به ، والسؤال عنه ، فقال : (كَيْفَ كانَ) أي كونا هو في غاية المكنة (عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل من الصلاة التي هي الوصلة بين الله وبين عباده ، والزكاة التي هي وصلة بين بعض العباد وبعض ، لتكذيبهم الرسل الذين هم الهداة إلى ما لا تستقل به العقول ، فكذبوا بالآخرة التي ينتج التصديق بها كل هدى ، ويورث التكذيب بها كل عمى ـ كما تقدمت الإشارة إليه في افتتاح السورة ، فإنكم إن نظرتم ديارهم ، وتأملتم أخبارهم ، حق التأمل ، أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم ، فلم تضروا إلا أنفسكم ، وقد تقدم لهذا مزيد بيان في النحل.
ولما دهم النبي صلىاللهعليهوسلم من الأسف على جلافتهم في عماهم عن السبيل ، الذي هدى إليه الدليل ، ما لا يعلمه إلا الله قال : (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي في عدم إيمانهم.
ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب ، بل يبغون للمؤمنين الغوائل ، وينصبون الحبائل ، قال : (وَلا تَكُنْ) مثبتا للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم واستهزائهم مع كفايته سبحانه وتعالى لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في الدارين ، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق ، فيفهم إثبات النون الرسوخ ، فلا يكون منهيا عما لا ينفك عنه العسر مما أشار إليه قوله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ) وإنما ينهى عن التمادي معه في الذكر بخلاف ما مضى في النحل ، فإن السياق هناك للعدل في العقوبة بما وقع من المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل على الصبر ، ونفي جميع الضيق ليكون ذلك وازعا عن مجاوزة الحد ، بل حاملا على العفو (فِي ضَيْقٍ) أي في الصدر (مِمَّا يَمْكُرُونَ) فإن الله جاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
