أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣))
ولما كان التقدير : فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، عطف عليه قوله : (وَإِنْ تُكَذِّبُوا) والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على غير معطوف معروف (فَقَدْ) أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه (كَذَّبَ أُمَمٌ) في الأزمان الكائنة (مِنْ قَبْلِكُمْ) كثيرة ، كعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم ، فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع للرسول وهلاك العاصي له ، ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم (وَما عَلَى الرَّسُولِ) أن يقهركم على التصديق ، بل ما عليه (إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الموضح مع ـ ظهوره في نفسه ـ للأمر بحيث لا يبقى فيه شك ، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية.
ولما كان التقدير : ألم تروا إلى مصارعهم؟ واتساق الحال في أمرهم؟ فيكفيكم ذلك زاجرا ، عطف عليه للدلالة على الرجوع إليه منكرا قوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا) بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم جريا على النسق السابق ، وبالغيب للباقين ، إعراضا للإيذان بالغضب (كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ) أي الذي له كل كمال (الْخَلْقَ) أي يجدد إبداءه في كل لحظة ، وهو بالضم من أبدأ ، وقرىء بالفتح من بدأ ، وهما معا بمعنى الإنشاء من العدم ؛ قال القزاز : أبدأت الشيء أبدئه إبداء ـ إذا أنشأته ، والله المبدىء أي الذي بدأ الخلق ، يقال : بدأهم وأبدأهم ، وفي القاموس : بدأ الله الخلق : خلقهم كأبدأ. ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان وللإبداء والإعادة في النبات ، ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله ـ (ثُمَّ يُعِيدُهُ) أي يجدد إعادته في كل لمحة ـ معطوفا على (يُبْدِئُ) ولو لم يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من حيث إنه لا فرق ، ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها. ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته ، فقال ذاكرا نتيجة الأمر السابق : (إِنَّ ذلِكَ) أي الإبداء والإعادة ، وأكد لأجل إنكارهم (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) لأنه الجامع لكل كمال ، المنزه عن كل شائبة نقص.
ولما ساق العزيز الجليل هذا الدليل ، عما حاج به قومه الخليل ، انتهزت الفرصة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
