بتعظيمهم ، وإجلالهم وتكريمهم ، فقالت : (ما كُنْتُ) أي كونا ما (قاطِعَةً أَمْراً) أي فاعلته وفاصلته غير مترددة فيه (حَتَّى تَشْهَدُونِ) وقد دل هذا على غزارة عقلها وحسن أدبها ، ولذلك جنت ثمرة أمثال ذلك طاعتهم لها في المنشط والمكره ، فاستأنف تعالى الإخبار عن جوابهم بقوله : (قالُوا) أي الملأ مائلين إلى الحرب : (نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ) أي بالمال والرجال (وَأُولُوا بَأْسٍ) أي عزم في الحرب (شَدِيدٍ* وَالْأَمْرُ) راجع وموكول (إِلَيْكِ) أي كل من المسالمة والمصادمة (فَانْظُرِي) بسبب أنه لا نزاع معك (ما ذا تَأْمُرِينَ) أي به فإنه مسموع.
(قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠))
ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده ، ولا أحد يكيده ، مالت إلى المسالمة ، فاستأنف سبحانه وتعالى الإخبار عنها بقوله : (قالَتْ) جوابا لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب أن الصواب من غير ارتياب أن نحتال في عدم قصد هذا الملك المطاع ؛ ثم عللت هذا الذي أفهمه سياق كلامها بقولها (إِنَّ الْمُلُوكَ) أي مطلقا ، فكيف بهذا النافذ الأمر ، العظيم القدر (إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً) أي عنوة بالقهر والغلبة (أَفْسَدُوها) أي بالنهب والتخريب (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) أي بما يرونهم من البأس ، ويحلون بهم من السطوة. ثم أكدت هذا المعنى بقولها : (وَكَذلِكَ) أي ومثل هذا الفعل العظيم الشأن ، الوعر المسلك البعيد الشأو (يَفْعَلُونَ) دائما ، هو خلق لهم مستمر جميعهم على هذا ، فكيف بمن تطيعه الطيور ، ذوات الوكور ، فيما يريده من الأمور.
ولما بينت ما في المصادمة من الخطر ، أتبعته ما عزمت عليه من المسالمة ، فقالت : (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ) وأشار سبحانه إلى عظيم ما ترسل به بالجمع في قولها : (إِلَيْهِمْ) أي إليه وإلى جنوده (بِهَدِيَّةٍ) أي تقع منهم موقعا. قال البغوي : وهي العطية
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
