يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل ـ منها بالنهي عنها ، ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله : (أَنْ يَسْبِقُونا) أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له ، وفي الدار الآخرة بأن نحييهم بعد أن نميتهم ، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغرة داخرين ، فنجازيهم على ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم ، ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم.
ولما أنكر هذا ، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيما لإنكاره فقال : (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلا لا يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضا ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا يرضونه لأنفسهم.
(مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩))
ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين ، وضربهم بسوط القهر أجمعين ، أشار إلى التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضى : (مَنْ كانَ يَرْجُوا) عبر به لأن الرجاء كاف عن الخوف منه سبحانه (لِقاءَ اللهِ) أي الجامع لصفات الكمال ، فلا يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة ، وشبه البعث باللقاء لانكشاف كثير من الحجب به وحضور الجزاء.
ولما كان المنكر للبعث كثيرا ، أكد فقال موضع : فإنه آت فليحذر وليبشر ، تفخيما للأمر وتثبيتا وتهويلا : (فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ) أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال المحتوم لذلك (لَآتٍ) لا محيص عنه ، فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد ، ولذلك عبر بالاسم الأعظم ، وللإشارة إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط بها العد ، ولا يحصرها حد ، فليعتد لذلك بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها ، وقال تعالى : (وَهُوَ) أي وحده (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) حثا على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل.
ولما حث على العمل ، بين أنه ليس إلا لنفع العامل ، لئلا يخطر في خاطر ما
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
