زمان عمرو بن لحي ، فهم لأجل عدم النذير عمي ، عن الهدى ، سالكون سبيل الردى ، وقال : (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) لمثل ما تقدم من أنهم إذا قبلوا ما جئت به وتدبروه أذكرهم إذكارا ظاهرا ـ بما أشار إليه الإظهار ـ ما في عقولهم من شواهده وإن كانت لا تستقل بدونه والله الموفق.
ولما كان انتفاء إنذارهم قبله عليه الصلاة والسّلام نافيا للحجة في عذابهم بما أوجبه الله ـ وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل ـ على نفسه الشريفة ، فضلا منه ورحمة ، ذكر أن إرساله مما لا بد منه لذلك فقال : (وَلَوْ لا) أي ولو لا هذا الذي ذكرناه ما أرسلناك لتنذرهم ، ولكنه حذف هذا الجواب إجلالا له صلىاللهعليهوسلم عن المواجهة به ، وذلك الذي ختم الإرسال هو (أَنْ تُصِيبَهُمْ) أي في وقت من الأوقات (مُصِيبَةٌ) أي عظيمة (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنه (فَيَقُولُوا رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا (لَوْ لا) أي هل لا ولم لا (أَرْسَلْتَ إِلَيْنا) أي على وجه التشريف لنا ، لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به (رَسُولاً) وأجاب التخصيص الذي شبهوه بالأمر لكون كل منهما باعثا على الفعل بقوله : (فَنَتَّبِعَ) أي فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع (آياتِكَ وَنَكُونَ) أي كونا هو في غاية الرسوخ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي المصدقين بك في كل ما أتى به عنك رسولك صلىاللهعليهوسلم تصديقا بليغا ، فإذا قالوا ذلك على تقدير عدم الإرسال قامت لهم حجة في مجاري عاداتكم وإن كانت لنا الحجة البالغة.
(فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤))
ولما كان التقدير : ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه ، بنى عليه قوله : (فَلَمَّا جاءَهُمُ) أي أهل مكة (الْحَقُ) الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما يقاس عليهما ، وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات ، فكيف وهو (مِنْ عِنْدِنا) على ما لنا من العظمة ، وعلى لسانك وأنت أعظم الخلق! (قالُوا) أي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
