المنكىء نفس القول لا كونه من معين : (أَيْنَ ما كُنْتُمْ) بتسلك الأخلاق التي هي كالجبلات (تَعْبُدُونَ) أي في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار. وحقر معبوداتهم بقوله : (مِنْ دُونِ) أي من أدنى رتبة من رتب (اللهِ) أي الملك الذي لا كفوء له ، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم (هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ) فيمنعون عنكم ما برز لكم (أَوْ يَنْتَصِرُونَ) أي هم بالدفع عن أنفسهم.
ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها قال : (فَكُبْكِبُوا) أي الأصنام ونحوها ، قلبوا وصرعوا ورموا ، قلبا عظيما مكررا سريعا من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال ، إظهارا لعجزهم بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب (فِيها) أي في مهواة الجحيم قلبا عنيفا مضاعفا كثيرا بعضهم في أثر بعض (هُمْ) أي الأصنام وما شابهها مما عبد من الشياطين ونحوهم (وَالْغاوُونَ) أي الذي ضلوا بهم (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ) من شياطين الإنس والجن (أَجْمَعُونَ).
ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفهامهم توبيخا ، وكان من المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه مما يرى أنه يبرد من غلته ، وينفع من علته ، تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد الكبكبة ، فأشير إلى ذلك بقوله : (قالُوا) أي العبدة (وَهُمْ فِيها) أي الجحيم (يَخْتَصِمُونَ) أي مع المعبودات : (تَاللهِ) أي الذي له جميع الكمال (إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي ظاهر جدا لمن كان له قلب (إِذْ) أي حين (نُسَوِّيكُمْ) في الرتبة (بِرَبِّ الْعالَمِينَ) أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم (وَما أَضَلَّنا) أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين (إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) أي العريقون في صفة الإجرام ، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل (فَما) أي فتسبب عن ذلك أنه ما (لَنا) اليوم ؛ وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجارّ فقالوا : (مِنْ شافِعِينَ) يكونون سببا لإدخالنا الجنة ، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له ؛ ولعله لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى.
(وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧))
ولما كان الصديق قد لا يكون أهلا لأن يشفع ، قالوا تأسفا على أقل ما يمكن : (وَلا صَدِيقٍ) أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق الصداقة ما كان من
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
