ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥))
(ذلِكَ) أي الأمر العظيم الكبير ذلك ، فمن راعاه فاز ، ومن حاد عنه خاب ؛ ثم عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال : (وَمَنْ) ويجوز أن يكون حالا ، أي أشير إلى الأمر العظيم والحال أنه من (يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ) أي معالم دين الملك الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج ، جمع شعيرة وهي المنسك والعلامة في الحج ، والشعيرة أيضا : البدنة المهداة إلى البيت الحرام ، قال البغوي : وأصلها من الإشعار وهو إعلامها ليعرف أنها هدي ـ انتهى. ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح ، فيكون من الإزالة ، وتعظيمها استحسانها ، فتعظيمها خير له لدلالته على تقوى قلبه (فَإِنَّها) أي تعظيمها (مَنْ) أي مبتدىء من (تَقْوَى الْقُلُوبِ) التي من شأنها الشعور بما هو أهل لأن يعظم ، فمعظمها متق ، وقد علم بما ذكرته أنه حذف من هذه جملة الخير ومن قوله (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ) سبب كونه خيرا له ، وهو التقوى ، ودل على إرادته هناك بذكره هنا ، وحذف هنا كون التعظيم خيرا ، ودل عليه بذكره هناك ، فقد ذكر في كل جملة ما دل على ما حذف من الأخرى كما تقدم في (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ) [آل عمران : ١٣] في آل عمران ، وأنه يسمى الاحتباك ، وتفسيري للشعائر بما ذكرته من الأمر العام جائز الإرادة ، ويكون إعادة الضمير على نوع منه نوعا من الاستخدام ، فقوله : (لَكُمْ فِيها) معناه : البدن أو النعم المهداة أو مطلقا (مَنافِعُ) بالدر والنسل والظهر ونحوه فكلما كانت سمينة حسنة كانت منافعها أكثر دينا ودنيا (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) وهو الموت الذي قدرناه على كل نفس ، أو النحر إن كانت مهداة ، أو غير ذلك ، وهذا تعليل للجملة التي قبله ، فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها لا سيما مع تفاوتها ، والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله ، وأنه قادر على ما يريد. وأنه لا شريك له.
ولما كانت هذه المنافع دنيوية ، وكانت منفعة نحرها إذا أهديت دينية ، أشار إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ مَحِلُّها) أي وقت حلول نحرها بانتهائكم بها (إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) أي إلى فنائه وهو الحرم كما قال تعالى (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة : ٩٥].
ولما كان التقدير : جعل لكم سبحانه هذه الأشياء مناسك ، عطف عليه قوله : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) أي من الأمم السالفة وغيرها (جَعَلْنا) بعظمتنا التي لا يصح أن تخالف
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
